في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات الكبرى دائمًا بعدد الاتفاقيات الموقعة أو بحجم الأرقام المعلنة في المؤتمرات الصحافية، بل أحيانًا بلقطة واحدة تختصر ما لا تقوله البيانات الرسمية. رفع كؤوس الشامبانيا بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل بدا وكأنه إعلان غير مباشر عن بداية مرحلة دولية جديدة، عنوانها إعادة ترتيب المصالح الكبرى بعيدًا عن لغة المواجهة التي طبعت السنوات الأخيرة بين واشنطن وبكين. ففي عالم تتحكم فيه المصالح أكثر من الشعارات، تبدو الابتسامات أحيانًا أخطر من حاملات الطائرات.
ما جرى بين الصين والولايات المتحدة لا يمكن قراءته بمنطق “الصفقة الاقتصادية” فقط، لأن خلف الصور الرسمية تختبئ تحولات أعمق تتعلق بشكل النظام الدولي المقبل. فالصين التي كانت تُقدَّم لعقود باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، بدأت ترسل إشارات مختلفة توحي بأنها لا تريد الاصطدام المباشر بواشنطن بقدر ما تريد إعادة التفاوض على موقعها داخل العالم. ولهذا لم يكن غريبًا أن يستخدم شي جين بينغ لغة قريبة من الثقافة السياسية التي يحبها ترامب، عندما تحدث عن إمكانية أن تسير “نهضة الصين” جنبًا إلى جنب مع فكرة “إعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى”. إنها لغة المصالح الواقعية، لا لغة الأيديولوجيات القديمة.
هذا التقارب لا يمر دون ضحايا جانبيين، ويبدو أن القيادة الإيرانية توجد اليوم في مقدمة الأطراف التي تراقب المشهد بقلق متزايد. فطهران التي بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الدولية على فرضية وجود صراع دائم بين بكين وواشنطن، تجد نفسها أمام معادلة جديدة أكثر تعقيدًا: ماذا لو قررت الصين أن مصالحها الاقتصادية الكبرى مع الولايات المتحدة أهم من استمرار الرهان على التحالف مع إيران؟ هنا تبدأ الزاوية الضيقة التي تتحدث عنها نخب سياسية وإعلامية غربية وأمريكية، لأن بكين لم تعد تنظر إلى الملفات الدولية بعين الشعارات الثورية، بل بعين التجارة والطاقة والاستقرار البحري.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا التحول هو ما يرتبط بمضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الذي تمر عبره نسبة ضخمة من التجارة العالمية والطاقة. فالصين، باعتبارها واحدة من أكبر القوى الاقتصادية المستوردة للطاقة، لا تستطيع تحمل أي اضطراب طويل في الملاحة الدولية أو ارتفاعات حادة في أسعار النقل والشحن. ومن هنا يصبح مفهوم “الاستقرار” بالنسبة لبكين قضية استراتيجية تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. لذلك لم يعد مستبعدًا أن تضغط الصين بشكل أكبر نحو حماية حرية الملاحة البحرية ورفض أي توترات تهدد الاقتصاد العالمي، حتى لو تعارض ذلك مع حسابات حلفائها التقليديين.
الأمر لا يتعلق فقط بالنفط أو بالممرات البحرية، بل أيضًا بملف السلاح النووي الإيراني الذي يبدو أنه عاد إلى قلب التفاهمات الكبرى بين القوى الدولية. فحين تتفق قوتان بحجم الولايات المتحدة والصين على رفض امتلاك إيران للسلاح النووي، فإن الرسالة التي تصل إلى طهران تصبح أكثر قسوة من أي عقوبات اقتصادية. لأن العزلة الحقيقية لا تبدأ عندما يختلف معك خصومك، بل عندما تبدأ القوى التي كنت تراهن عليها في إعادة حساباتها وفق منطق جديد لا مكان فيه للعواطف السياسية.
في العمق، تبدو الصين وكأنها تعيد رسم خريطتها الذهنية للعالم انطلاقًا من أولوياتها الخاصة، وعلى رأسها ملف Taiwan الذي تحول إلى العدسة التي تنظر بها بكين إلى التحالفات الدولية. فكل شريك قادر على احترام المصالح الصينية في تايوان يمكن التفاهم معه، وكل توتر قد يهدد الاقتصاد الصيني أو يعرقل مشروعها الصاعد سيتم التعامل معه ببراغماتية شديدة، حتى وإن تعلق الأمر بحلفاء قدامى.
وسط كل هذا الضجيج الجيوسياسي، تبدو المنطقة العربية مرة أخرى مجرد ساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الكبرى. فالدول الصغيرة والمتوسطة غالبًا ما تدفع ثمن التفاهمات الكبرى أكثر مما تستفيد منها، لأن السياسة الدولية لا تُدار بمنطق الصداقة، بل بمنطق توازنات القوة. وربما لهذا ظل المثل المغربي الشعبي حاضرًا بقوة في توصيف مثل هذه اللحظات التاريخية: “إلى اتفقو الكبار سخط الله على الصغار”. لكنه مثل لا يتحدث فقط عن الخوف من الكبار، بل عن مأساة عالم لا يترك للدول الضعيفة سوى هامش ضيق للمناورة، كلما أعادت القوى الكبرى ترتيب الطاولة وفق مصالحها الخاصة.