مراكش: ملف “برلمان.كوم” يشتعل قضائياً… مواجهة مفتوحة بين الصحافة والسلطة تُربك مشهد الشفافية وتعيد رسم حدود النشر

0
76

في مدينةٍ اعتادت أن تعيش على إيقاعٍ مزدوج بين وهج المشاريع الكبرى وضجيج النقاشات العمومية، يطفو إلى السطح ملف جديد يعيد طرح سؤال العلاقة المعقدة بين الفعل السياسي، وخطاب الصحافة، وحدود التقاضي عندما يتحول الخلاف حول المعلومة إلى ساحة قضائية مفتوحة.

القصة تبدأ من فيديو نشرته الصحفية بدرية على موقع “برلمان.كوم”، تناول معطيات مرتبطة بملف عقاري بمنطقة تسلطانت بضواحي مراكش. لم يكن الأمر مجرد تداول صحفي عابر، بل سرعان ما تحول إلى مادة جدل أثارت ردود فعل قوية داخل دوائر سياسية محلية، قبل أن تتطور إلى مسار قضائي واضح المعالم.

فقد أفادت معطيات متداولة ومتطابقة أن عمدة مدينة مراكش فاطمة الزهراء المنصوري، ورئيس مجلس جهة مراكش آسفي سمير كودار، إلى جانب البرلماني طارق حنيش عن حزب الأصالة والمعاصرة، تقدموا بشكاية قضائية ضد كل من محمد الخباشي، مالك موقع “برلمان.كوم”، ومديرة نشره، إضافة إلى الصحفية بدرية عطا الله، وذلك على خلفية مقالات ومنشورات مرتبطة بالملف العقاري نفسه.

وتكشف الوثائق القضائية، وفق المصادر ذاتها، أن أحد الأطراف المشتكى بهم جرى تبليغه باستدعاء رسمي للمثول أمام المحكمة الابتدائية بمراكش، في جلسة محددة بتاريخ 25 ماي 2026 على الساعة التاسعة والنصف صباحاً، بالقاعة رقم 5، في إطار شكاية مباشرة تندرج ضمن قضايا الصحافة والنشر. كما تشير المعطيات إلى أن عملية التبليغ تمت وفق مسطرة “التسليم باليد بعد رفض التوقيع” في حق الصحفية المعنية.

في المقابل، يعود أصل هذا المسار القضائي إلى موقف سابق كانت قد عبّرت عنه فاطمة الزهراء المنصوري، حين أعلنت لجوءها إلى القضاء ضد إدارة الموقع وعدد من المرتبطين به، معتبرة أن ما نُشر يتضمن “معطيات مسيئة” و”مضامين تمس بالسمعة” ومرتبطة بملف عقاري بمنطقة تسلطانت. وقد شددت في حينه على أن تلك الادعاءات “لا تستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي”، وفق تعبيرها، معتبرة أن خيار التقاضي يأتي في إطار الدفاع عن الحقوق والسمعة.

لكن خلف هذا التوتر الظاهر بين الفعل الصحفي والمسار القضائي، يبرز سؤال أعمق يتجاوز تفاصيل الملف ذاته: أين تنتهي حدود حرية الصحافة في تتبع الملفات ذات الحساسية العمومية، وأين تبدأ مسؤولية الكلمة حين تتحول إلى مادة نزاع قانوني؟ وهل نحن أمام مجرد خلاف حول معطيات متنازع بشأنها، أم أمام مؤشر جديد على تصاعد التوتر بين الإعلام الرقمي والفاعلين المؤسساتيين في قضايا مرتبطة بالشفافية وتدبير الشأن المحلي؟

إن هذا الملف، بصرف النظر عن مآلاته القضائية، يعكس تحوّلاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة المحلية، حيث لم تعد المعلومة تمرّ فقط عبر بوابة النفي أو التوضيح، بل أصبحت أحياناً تمر عبر قاعة المحكمة. وبين هذا وذاك، يبقى الرأي العام أمام مشهد تتقاطع فيه الحقيقة القانونية مع الحقيقة الصحفية، في انتظار ما ستكشفه جلسات المحاكمة من معطيات قد تعيد رسم حدود هذه العلاقة من جديد.