حين كشف تسريب الطالبي العلمي ما وراء واجهة «البام»: أين تقف المنصوري أمام صعود لقجع؟

0
98

قراءة مغايرة لتسريب الطالبي العلمي

في السياسة، لا تكشف التسريبات دائماً صاحب الكلام بقدر ما تكشف موقع الآخرين في الخريطة. وما جرى مع التسجيل المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي يمكن قراءته من هذه الزاوية تحديداً: ليس فقط من قال ماذا، وإنما من ظهر في التسجيل باعتباره رقماً سياسياً يُحسب له الحساب، ومن غاب رغم أن اسمه يفترض أن يكون حاضراً في مثل هذا النقاش.

أكثر من تضرر سياسياً من هذا التسريب، وفق هذه القراءة، قد لا يكون فوزي لقجع، بل فاطمة الزهراء المنصوري.

فالحديث المنسوب إلى الطالبي العلمي، بصرف النظر عن الجدل الذي رافق التسجيل وظروفه، وضع لقجع في موقع مختلف عن الصورة التي اعتادها المتابعون داخل المشهد الحزبي. لم يظهر باعتباره مجرد شخصية حكومية أو فاعلاً في المجال الرياضي، وإنما كاسم تُبنى عليه حسابات تتصل مباشرة بمستقبل السلطة التنفيذية. والأهم أن النقاش حوله جاء من داخل حزب يوجد في قلب المنافسة على الانتخابات المقبلة.

هذه النقطة هي التي تجعل التسجيل أكبر من مجرد مادة متداولة على شبكات التواصل.

فحين يصبح احتمال تولي شخصية معينة حقيبة سيادية أو موقعاً حكومياً كبيراً موضوعاً لنقاش داخلي بين قيادات حزبية، فإن ذلك يمنح الشخصية المعنية وزناً يتجاوز موقعها الرسمي. لا يعني هذا أن الطريق إلى رئاسة الحكومة قد حُسم، ولا أن ما ورد في التسجيل يمثل قراراً سياسياً نهائياً. لكنه يكشف، على الأقل، أن اسم لقجع حاضر في الحسابات السياسية بطريقة يصعب تجاهلها.

وهنا تظهر المفارقة داخل الأصالة والمعاصرة.

فالمنصوري هي إحدى أبرز الوجوه السياسية للحزب، وتولت قيادته في مرحلة كان فيها «البام» يبحث عن تثبيت موقعه كقوة حكومية وبديل سياسي قادر على المنافسة. كما أن حضورها الحكومي والسياسي جعل اسمها منطقياً كلما طُرح سؤال القيادة المقبلة أو من يمكن أن يكون في موقع رئاسة الحكومة.

لكن التسريب لم يضعها في مركز المشهد.

الذي تصدره كان لقجع.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك انقلاباً في موازين القوة داخل الحزب، ولا أن المنصوري فقدت موقعها. مثل هذه الخلاصات تحتاج إلى معطيات أوسع من تسجيل واحد. لكن الواقعة تتيح قراءة مختلفة لطبيعة القوة داخل الأحزاب المغربية: هناك فرق بين من يتصدر الواجهة التنظيمية والإعلامية، وبين الأسماء التي تدخل فعلياً في الحسابات المتعلقة بمراكز القرار.

والأحزاب لا تُقاس فقط بمن يقودها رسمياً.

في مرحلة ما قبل الانتخابات، تصبح قيمة السياسي مرتبطة أيضاً بقدرته على جمع الأصوات، وبشبكة علاقاته، وبالموقع الذي يمكن أن يحتله في التوازنات المقبلة، وبمدى حضور اسمه خارج الإطار الحزبي الضيق. ولهذا فإن ظهور لقجع بهذه القوة في نقاش من هذا النوع يستحق التوقف عنده، حتى من دون القفز إلى استنتاج أنه سيكون رئيس الحكومة المقبل.

المفارقة الأخرى أن التسريب، بدلاً من أن يضعف لقجع، قد يكون قد منحه مساحة سياسية إضافية. فالجدل الذي كان يفترض أن يتركز على مضمون التسجيل انتقل سريعاً إلى سؤال أكبر: لماذا أصبح اسم لقجع مطروحاً بهذه الطريقة داخل الحسابات الحزبية؟

وهذا تحديداً هو الجانب الذي يستحق المتابعة.

فالانتخابات التشريعية المقبلة لن تحسم فقط عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب. ستعيد أيضاً اختبار مواقع الشخصيات داخل الأحزاب نفسها، وستكشف من يملك القدرة على تحويل الحضور السياسي إلى نفوذ فعلي. وفي هذه المرحلة، قد تكون بعض المؤشرات أكثر أهمية من التصريحات الرسمية: من يجري الحديث عنه؟ من يدخل في الحسابات؟ ومن يصبح اسمه، حتى من دون إعلان رسمي، جزءاً من النقاش حول الحكومة المقبلة؟

من هذه الزاوية، لا تكمن دلالة التسجيل في ما قيل عن لقجع فقط، بل في ما كشفه عن الطريقة التي تُرسم بها صورة مراكز القوة قبل أن تصل صناديق الاقتراع إلى لحظة الحسم.

أما فاطمة الزهراء المنصوري، فالمسألة بالنسبة إليها ليست أن اسمها غاب عن تسجيل واحد. الأهم أن غيابها يفرض إعادة النظر في الصورة التي تقدمها المنافسة الحزبية نفسها: هل تكفي الزعامة التنظيمية والحضور الحكومي لكي تكون الشخصية تلقائياً في قلب السباق على رئاسة الحكومة، أم أن هناك، في المقابل، موازين قوة أخرى لا تظهر دائماً في الخطاب العلني؟

التسجيل لا يقدم جواباً نهائياً عن هذا السؤال.

لكنه يكشف أن السباق بدأ يُقرأ، داخل بعض الدوائر السياسية على الأقل، بأسماء وأحجام قد لا تتطابق تماماً مع الصورة التي تقدمها الواجهة الحزبية.

وهذه ربما تكون أهم دلالة في التسريب: قبل أن تتحدث صناديق الاقتراع، بدأت بعض الأسماء تُختبر سياسياً، وبعض الأحجام تظهر في النقاش، وبعض المواقع تعاد قراءتها. ومن هذه الزاوية، فإن القضية ليست من تضرر من التسجيل فقط، بل من خرج منه بحضور سياسي أكبر مما كان عليه قبل انتشاره.