حين يصبح قانون المحاماة امتحانًا للدستور… دراسة تحذر من كلفة تمريره بصيغته الحالية

0
57

حين تصبح المحكمة الدستورية آخر خط دفاع… هل دخل قانون المحاماة امتحان الشرعية الدستورية؟

لم تعد معركة مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة تدور فقط داخل قاعات البرلمان أو بين وزارة العدل وهيئات الدفاع، بل انتقلت إلى مستوى أكثر حساسية: المحكمة الدستورية. وهنا يتغير السؤال من: هل القانون جيد أم سيئ؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ما يُراد إقراره ينسجم أصلاً مع روح الدستور وفلسفة دولة الحق والقانون؟

هذه هي الرسالة المركزية التي تحملها الدراسة القانونية والدستورية التي أنجزها أربعة محامين من هيئتي مكناس وأكادير، والتي لا تقرأ المشروع باعتباره مجرد نص تشريعي قابل للتعديل، وإنما تعتبره لحظة فاصلة ستختبر ليس فقط مستقبل مهنة المحاماة، بل أيضاً طبيعة القضاء الدستوري المغربي وحدود استقلاله في مواجهة السلطة التشريعية والتنفيذية.

من خلاف مهني إلى سؤال دستوري

منذ بداية الجدل حول مشروع قانون المحاماة، انشغل الرأي العام أساساً بالخلافات المهنية بين الوزارة والمحامين، وبالإضرابات وتعطل جلسات المحاكم وتأجيل ملفات آلاف المتقاضين.

لكن الدراسة تحاول نقل النقاش إلى مستوى آخر أكثر تعقيداً.

فهي ترى أن القضية لم تعد مرتبطة ببعض المواد المختلف حولها، بل بطريقة فهم الدولة نفسها لمكانة المحاماة داخل المنظومة الديمقراطية.

وهنا تكمن المفارقة.

فالسلطة التنفيذية تنظر إلى القانون باعتباره آلية لتنظيم مهنة من المهن القضائية، بينما يذهب أصحاب الدراسة إلى اعتبار المحاماة مؤسسة دستورية غير منصوص عليها صراحة، لكنها تؤدي وظيفة دستورية في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.

أي أن الخلاف لم يعد حول تنظيم المهنة، بل حول تعريفها.

المحكمة أمام اختبار غير مسبوق

اللغة التي تستعملها الدراسة ليست لغة تقنية معتادة.

إنها لغة مليئة بالرموز والرسائل.

حين تتحدث عن “اختبار تاريخي”، فهي لا تبالغ فقط في الوصف، بل تحاول وضع المحكمة الدستورية أمام مسؤولية سياسية ودستورية وأخلاقية في آن واحد.

فالرسالة الضمنية واضحة:

إذا اكتفت المحكمة بإجراء تعديلات تفسيرية محدودة، فإنها ستبدو وكأنها ساهمت في إنقاذ نص تعتبره الدراسة معيباً.

أما إذا قضت بعدم دستورية المقتضيات الجوهرية، فإنها ستؤسس، بحسب معدي الدراسة، لاجتهاد دستوري جديد يوسع وظيفة الرقابة الدستورية من مجرد فحص النصوص إلى حماية المنظومة الحقوقية برمتها.

إنها محاولة واضحة لدفع المحكمة نحو ما يسمى في الفقه الدستوري بـ”القضاء الدستوري التحولي”، الذي لا يكتفي بتطبيق النصوص، بل يعيد رسم الحدود بين السلطة والحرية.

لماذا ترفض الدراسة “التحفظ التأويلي”؟

من أكثر النقاط إثارة في الدراسة هجومها الصريح على ما يعرف بالتحفظ التأويلي.

في التجارب الدستورية المقارنة، تلجأ المحاكم أحياناً إلى تأويل مادة قانونية بطريقة معينة لإنقاذها من السقوط الدستوري دون إلغائها.

غير أن أصحاب الدراسة يعتبرون أن هذا الحل قد يتحول، في حالة قانون المحاماة، إلى مجرد عملية تجميل لنص يرونه يعاني اختلالات بنيوية.

وهنا تظهر الرسالة السياسية غير المعلنة.

فالتحفظ التأويلي، من وجهة نظرهم، لن ينهي الأزمة، بل سيجعل المحكمة تبدو وكأنها اختارت التسوية بدل الحسم.

وفي المقابل، فإن الحكم بعدم الدستورية سيعيد الكرة إلى المشرع لإعادة صياغة المشروع من أساسه.

ما الذي يكشفه هذا الخطاب؟

إذا قرأنا الدراسة بين السطور، سنجد أنها لا تخاطب المحكمة الدستورية وحدها.

إنها تخاطب أيضاً الحكومة.

فالرسالة الضمنية تقول إن الأزمة الحالية ليست نتيجة سوء فهم بين الوزارة والمحامين، وإنما نتيجة فلسفة تشريعية ترى في التنظيم القانوني أولوية، بينما يرى المحامون أن الأولوية يجب أن تكون لاستقلال الدفاع وضماناته.

وبهذا المعنى، فإن الدراسة لا تنتقد مشروع القانون فقط، بل تنتقد أيضاً المنهج الذي أُعد به.

الرهان الحقيقي… استقلال الدفاع

تذهب الدراسة إلى أبعد من مجرد الدفاع عن مهنة المحاماة.

فهي تربط بين استقلال الدفاع واستقلال القضاء نفسه.

وهذا الربط ليس جديداً في الفكر القانوني المقارن.

ففي الديمقراطيات الحديثة، لا يُنظر إلى المحامي باعتباره ممثلاً لموكله فقط، بل باعتباره جزءاً من منظومة العدالة وضمانة أساسية لتوازن العلاقة بين الدولة والمواطن.

ولهذا فإن أي تقليص لاستقلال المهنة يُقرأ غالباً باعتباره مساساً بحقوق الدفاع قبل أن يكون تعديلاً مهنياً.

ومن هنا نفهم لماذا تصر الدراسة على أن جودة القانون لا تقاس بإحكام الصياغة، بل بقدرته على حماية الحقوق والحريات.

بين القانون والسياسة

ورغم الطابع القانوني للدراسة، فإنها تحمل بعداً سياسياً واضحاً.

فهي تحاول نقل مركز الثقل من البرلمان إلى المحكمة الدستورية.

وبمعنى آخر، فإنها تعتبر أن المعركة التشريعية انتهت، وأن المعركة الدستورية بدأت.

وهذا التحول يعكس تطوراً مهماً في الثقافة القانونية المغربية، حيث أصبح القضاء الدستوري يُنظر إليه باعتباره فاعلاً في صناعة التوازنات المؤسساتية، وليس مجرد هيئة تقنية تراقب مطابقة النصوص للدستور.

غير أن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً:

إلى أي مدى تستطيع المحكمة أن تمارس رقابة موسعة دون أن تُتهم بالدخول في المجال التقديري للمشرع؟

إنه السؤال الذي يواجه أغلب المحاكم الدستورية في العالم، حيث يظل الخط الفاصل بين حماية الدستور واحترام اختصاص البرلمان شديد الدقة.

ما وراء الأزمة

في العمق، لا يتعلق النقاش بمشروع قانون واحد.

بل يتعلق بمسار كامل لإصلاح العدالة.

فإذا شعرت المهن القضائية بأن الإصلاح يتم دون توافق، فإن أي نص، مهما كانت جودته التقنية، سيظل مهدداً بفقدان شرعيته المهنية والاجتماعية.

كما أن استمرار التوتر بين الحكومة وهيئات المحامين ينعكس مباشرة على المتقاضين، الذين يصبحون أول المتضررين من تعطيل الجلسات وتأجيل القضايا.

وهنا تظهر مفارقة الإصلاح.

فالقوانين تُسن لتسريع العدالة، لكنها قد تتحول، إذا غاب التوافق، إلى سبب في تعطيلها.

ما الذي ستكتبه المحكمة في سجلها؟

مهما يكن القرار الذي ستصدره المحكمة الدستورية، فإن أثره سيتجاوز بكثير حدود مشروع القانون رقم 66.23.

فإذا أقرت دستوريته، ولو مع تحفظات، ستُكرس مقاربة تمنح المشرع هامشاً واسعاً في إعادة تنظيم المهن القضائية.

أما إذا قضت بعدم دستورية مقتضياته الجوهرية أو المشروع برمته، فإنها ستفتح صفحة جديدة في تاريخ القضاء الدستوري المغربي، عنوانها توسيع الرقابة على التشريع كلما تعلق الأمر بالحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سينجح مشروع قانون المحاماة في عبور بوابة المحكمة الدستورية؟

بل أصبح: أي نموذج للقضاء الدستوري يريد المغرب أن يرسخه؟ قضاء يكتفي بفحص النصوص، أم قضاء يعتبر نفسه حارساً لروح الدستور قبل حروفه؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر المحكمة، والذي قد يجعل حكمها، أياً كان اتجاهه، علامة فارقة في تطور العدالة الدستورية المغربية، ليس لأنه سيحسم نزاعاً قطاعياً، بل لأنه سيحدد حدود العلاقة بين سلطة التشريع، واستقلال القضاء، وحق الدفاع، في دولة اختارت دستورياً أن تجعل الحقوق والحريات أساس الشرعية وسيادة القانون.