حين يتحول “الأخ فوزي” إلى رسالة سياسية… هل كشف المجلس الوطني للبام ما حاول إخفاءه؟

0
111

في السياسة، ليست الكلمات مجرد ألفاظ، وليست البروتوكولات مجرد تفاصيل تنظيمية. ففي كثير من الأحيان، تكشف الطريقة التي يُقدَّم بها الأشخاص، والمقاعد التي يجلسون عليها، والصمت الذي يلف بعض اللحظات، أكثر مما تكشفه الخطب الرسمية نفسها. ومن هذا المنطلق، جاءت القراءة التي قدمها الصحفي مصطفى الفن لمحطة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، باعتبارها محاولة لتفكيك ما يعتبره مؤشرات على ارتباك سياسي رافق الإعلان عن التحاق فوزي لقجع بالحزب.

فالكاتب لا يناقش حدث الانضمام في ذاته، بل يتجاوز الواقعة إلى الطريقة التي أُخرجت بها سياسيا. إذ يلفت الانتباه إلى أن شخصية بحجم وزير منتدب في الميزانية واسم يتردد باستمرار في النقاش العمومي باعتباره أحد أبرز الفاعلين داخل الدولة، قُدمت أمام المجلس الوطني بصيغة عادية هي “الأخ فوزي”، وكأن الحزب تعمد، عن قصد أو من دون قصد، تجريد الوافد الجديد من كل الحمولة السياسية والإدارية التي يحملها اسمه داخل المشهد المغربي.

وهنا يبدأ التحليل الحقيقي.

ففي القراءة السياسية، لا يصبح السؤال: لماذا قيل “الأخ فوزي”؟ بل: لماذا لم يُقدَّم الرجل باعتباره إحدى الشخصيات التي يمكن أن تمنح الحزب زخما جديدا؟ وهل كان الهدف إدماجه بسرعة داخل البنية التنظيمية للحزب باعتباره عضوا عاديا، أم أن الأمر يعكس حساسية داخلية تجاه حضوره، حتى لا يبدو وكأنه جاء فوق التنظيم أو على حساب قياداته التقليدية؟

هذه المفارقة هي التي يحاول النص التقاطها. فكلما كان الاسم أكبر من التنظيم، ازدادت الحاجة داخل الأحزاب إلى “تطبيعه” تنظيميا حتى لا يتحول إلى مركز قوة مستقل. ولذلك يقرأ الكاتب اختزال الاسم في “الأخ فوزي” باعتباره محاولة لاحتواء رمزية الرجل قبل أن تتحول إلى نفوذ داخل المؤسسة الحزبية.

غير أن الرسالة لا تتوقف عند مستوى الخطاب، بل تمتد إلى المشهد البصري نفسه. فالكاتب يتوقف عند مكان جلوس لقجع داخل القاعة، ويمنحه دلالة رمزية، معتبرا أن الإحاطة ببعض الوجوه المثيرة للجدل لا تخدم صورة الوافد الجديد، بل قد تضعه، ولو بصريا، في سياق سياسي يثير التساؤلات. وهنا يستخدم الكاتب تقنية “الصورة السياسية”، حيث تصبح اللقطة نفسها موضوعا للتحليل أكثر من مضمون الكلمات التي قيلت أثناء الاجتماع.

ولذلك، فإن النص لا يناقش الأشخاص بقدر ما يناقش أثر الصورة على الرأي العام. ففي زمن الاتصال السياسي، قد تتحول صورة واحدة إلى رسالة أقوى من عشرات البلاغات الرسمية، وقد يصبح ترتيب المقاعد جزءا من صناعة المعنى السياسي، سواء كان ذلك مقصودا أو مجرد صدفة تنظيمية.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب هو انتقاله من التفاصيل الصغيرة إلى بناء استنتاج أكبر، يتمثل في الحديث عن “ارتباك” داخل قيادة الحزب. فالكاتب يربط بين تقديم الاسم، والمشهد التنظيمي، وسرعة مغادرة لقجع، ليصل إلى فرضية مفادها أن الحزب لم يكن مستعدا بالكامل لهذه اللحظة، أو أن الحدث كشف توازنات داخلية أكثر تعقيدا مما يبدو في الظاهر.

وهنا يتحول المقال من وصف واقعة إلى قراءة للصراع الصامت داخل التنظيم. فحين يصل اسم بحجم فوزي لقجع إلى حزب يعيش بدوره حسابات مرتبطة بالقيادة والاستحقاقات المقبلة، يصبح السؤال حول موقع الرجل داخل الحزب أكثر أهمية من سؤال انضمامه نفسه. هل جاء ليكون مجرد عضو جديد؟ أم ليصبح أحد مراكز الثقل المستقبلية؟ وهل استقبلته كل مكونات الحزب بالقدر نفسه من الارتياح؟

ومن زاوية أخرى، يلفت الكاتب الانتباه إلى ما يعتبره “غيابات” داخل المشهد؛ غياب بعض الرموز أو الإشارات التي يرى أنها تؤطر عادة مثل هذه المحطات. سواء اتفق القارئ مع هذا التقييم أم اختلف، فإن وظيفة هذه الإشارات في النص ليست توثيق ما جرى بقدر ما هي بناء إحساس بأن الحدث لم يجر وفق الصورة التي كان الحزب يرغب في تصديرها. فالغياب هنا يتحول إلى أداة بلاغية، يوظفها الكاتب لإبراز فكرة أن الارتباك لم يكن في الكلمات فقط، بل في الإخراج السياسي للمناسبة برمتها.

ومن الناحية البلاغية، يعتمد النص على أسلوب السخرية السياسية أكثر من اعتماده على التقرير الإخباري. فهو يكثر من علامات الاستفهام، ويستخدم التلميح بدل التصريح، ويترك للقارئ مهمة ملء الفراغات بين الجمل. وهذه تقنية معروفة في الكتابة السياسية، تجعل المقال لا يقدم أحكاما مباشرة بقدر ما يدفع القارئ إلى بناء استنتاجاته بنفسه.

أما النهاية، حين يشبه الكاتب المشهد بـ”عرس انهار قبل أن يحضر العروسان”، فهي ليست خاتمة أدبية فقط، بل تلخيص مكثف للفكرة المركزية التي أراد إيصالها: أن الحدث الذي كان يفترض أن يشكل لحظة قوة سياسية للحزب، انتهى ـ في نظره ـ إلى كشف هشاشة داخلية وأسئلة أكثر مما قدم من أجوبة.

وفي العمق، لا يبدو أن المقال منشغل بفوزي لقجع كشخص، بقدر انشغاله بما يمثله سياسيا. فالرجل، بحكم موقعه وحضوره داخل الدولة، يدخل أي تنظيم حزبي وهو يحمل معه رأسمالا سياسيا ورمزيا كبيرا، وهو ما يجعل انضمامه حدثا يتجاوز حدود العضوية الحزبية إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل الحزب نفسه. ومن هنا، يصبح السؤال الذي يطرحه النص بين السطور: هل كان المجلس الوطني لحظة احتضان لاسم كبير، أم كان بداية اختبار صعب لقدرة الحزب على استيعاب هذا الاسم دون أن تهتز توازناته الداخلية؟

وهكذا، فإن المقال لا يروي قصة اجتماع حزبي، بل يحاول أن يقرأ ما يعتبره مؤشرات على مرحلة سياسية جديدة داخل الأصالة والمعاصرة، مرحلة قد تكون فيها المعركة الحقيقية ليست حول من التحق بالحزب، وإنما حول من سيقود الحزب عندما تبدأ موازين القوة في إعادة التشكل.