حين تصبح الشائعة جريمة… وهبي يعيد رسم حدود الكلمة لحماية النظام العام والمؤسسات

0
71

بين حماية المجتمع وتوسيع سلطة التجريم… هل يدخل المغرب مرحلة جديدة في ضبط الفضاء الرقمي؟

لم يعد النقاش حول الأخبار الزائفة في المغرب مجرد سجال قانوني حول نصوص العقوبات، بل تحول إلى سؤال سياسي ومؤسساتي يتعلق بكيفية إدارة الدولة للفضاء الرقمي في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من المؤسسات نفسها. والرسالة التي حملها وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن مشروع القانون الجنائي الجديد تتجاوز الإعلان عن مادة قانونية جديدة، لتكشف عن توجه تشريعي يرسم حدوداً جديدة للعلاقة بين حرية التعبير والأمن العام، وبين الحق في تداول المعلومات وحق الدولة في حماية الاستقرار.

فالجواب الكتابي الذي وجهه الوزير إلى البرلمان لا يكتفي بالإعلان عن تجريم نشر الأخبار الزائفة أو تقاسمها أو ترويجها، بل يضيف بعداً أكثر حساسية، يتمثل في تشديد العقوبات كلما أدى الخبر إلى الإخلال بالنظام العام، أو إثارة الفزع بين المواطنين، أو المساس بالسير العادي للمؤسسات. وهنا لا يصبح الخبر الزائف مجرد محتوى مضلل، بل يتحول في فلسفة المشروع إلى فعل قد يُعامل باعتباره تهديداً للأمن المجتمعي.

غير أن القراءة المتأنية لهذا التوجه تكشف أن الدولة لا تتحرك فقط بدافع محاربة الأخبار الكاذبة، بل أيضاً استجابة لتحول عالمي فرضته الثورة الرقمية. فخلال السنوات الأخيرة لم تعد الجرائم الإلكترونية تقتصر على الاختراقات التقنية أو سرقة البيانات، وإنما أصبحت حملات التضليل، والشائعات المنظمة، والتلاعب بالرأي العام، من أخطر أدوات التأثير على الأمن والاستقرار والاقتصاد وحتى الانتخابات.

ولهذا يبدو أن وزارة العدل تحاول إعادة بناء المنظومة الجنائية على أساس جديد، يدمج الجرائم الرقمية داخل قانون جنائي موحد، بعدما ظلت موزعة بين قانون الصحافة والنشر، والقانون الجنائي، وقوانين متفرقة أخرى، وهو ما تعتبره الوزارة سبباً في تشتت النصوص وصعوبة التطبيق.

لكن عند هذا المستوى تحديداً يبدأ الامتحان الحقيقي للنص.

فالعبارات التي استعملها الوزير تبدو في ظاهرها واضحة، لكنها في العمق تفتح أسئلة قانونية معقدة. فما المقصود تحديداً بـ”الخبر الزائف”؟ وهل يكفي أن تكون المعلومة غير دقيقة حتى تدخل دائرة التجريم؟ أم يجب إثبات نية التضليل؟ ومن الجهة التي ستحدد أن الخبر كاذب بصورة نهائية؟ وهل الخطأ الصحفي أو التقدير غير الصحيح يمكن أن يتحول إلى مسؤولية جنائية؟

هذه الأسئلة ليست نظرية، بل شكلت محوراً رئيسياً في النقاشات التي عرفتها عشرات الدول عند صياغة تشريعات مماثلة، لأن الخيط الفاصل بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير يظل من أدق الخيوط في التشريع الحديث.

ومن اللافت أن الوزير حرص في جوابه على التأكيد أن المشروع الجديد لا يبدأ من فراغ، بل يستند إلى منظومة قائمة بالفعل. فهو يذكر بقانون الصحافة والنشر الذي يجرم نشر الأخبار الزائفة عبر الوسائط الإلكترونية، كما يستحضر مقتضيات القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء التي أضافت فصولاً تعاقب على نشر المعطيات الخاصة والتشهير وبث الادعاءات الكاذبة التي تمس بالحياة الخاصة للأفراد.

بمعنى آخر، فإن مشروع القانون لا يؤسس لمبدأ التجريم، وإنما يعيد ترتيب هندسته القانونية ويوسع أدواته داخل القانون الجنائي.

لكن الرسالة الأهم في خطاب الوزير لا توجد داخل النصوص الوطنية، بل في الإحالات الدولية التي تعمد إلى استعراضها.

فالإشارة إلى انضمام المغرب إلى اتفاقية بودابست، ثم التوقيع على بروتوكولها الإضافي، وأخيراً المشاركة في الاتفاقية الأممية الجديدة لمكافحة الجرائم السيبرانية، ليست مجرد استحضار لسياق قانوني دولي، بل إعلان بأن التشريع المغربي يتحرك داخل موجة عالمية تعيد تعريف مفهوم الأمن الرقمي.

ذلك أن الجرائم المرتبطة بالمحتوى الرقمي لم تعد تُنظر إليها باعتبارها قضايا إعلامية فقط، بل أصبحت جزءاً من الأمن القومي، بعدما أثبتت تجارب دول عديدة أن حملات التضليل قد تُربك الأسواق، وتؤثر في المؤسسات، وتخلق الذعر الجماعي، أو تُستخدم كأداة للابتزاز الإلكتروني والهجمات السيبرانية المركبة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إصرار وزارة العدل على ربط مشروعها بالاتفاقيات الدولية، لأن ذلك يمنح الإصلاح شرعية تتجاوز الإطار الوطني، ويضعه ضمن منظومة عالمية تتجه نحو تشديد الرقابة القانونية على الفضاء الرقمي.

غير أن الوجه الآخر للصورة لا يقل أهمية.

فكلما توسعت الدولة في أدوات التجريم، اتسعت في المقابل الحاجة إلى ضمانات أقوى لحماية الحقوق والحريات.

فالخبر الزائف ليس مفهوماً تقنياً بسيطاً، بل هو من أكثر المفاهيم القانونية إثارة للجدل في العالم. وقد أظهرت تجارب دول عديدة أن النصوص التي تُصاغ بعبارات فضفاضة قد تتحول مع الزمن إلى أدوات للتأويل الواسع، وهو ما يجعل دقة التعريفات القانونية وضبط الأركان المادية والمعنوية للجريمة شرطاً أساسياً لتحقيق التوازن بين الردع وحماية حرية التعبير.

وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه الوزير بشأن تحديد “الأركان المادية والمعنوية” للجريمة داخل المشروع الجديد، لأن إثبات سوء النية والقصد الجنائي سيكون فاصلاً بين من يتعمد صناعة التضليل، وبين من يقع في خطأ مهني أو ينقل معلومة تبين لاحقاً عدم صحتها.

كما أن تشديد العقوبة عند الإخلال بالنظام العام أو إثارة الفزع ينسجم مع الفلسفة الجنائية المقارنة، التي تربط العقوبة بحجم الضرر الناتج عن الفعل، لا بالفعل المجرد وحده.

غير أن التحدي لن يكون في النص، بل في التطبيق.

فالفضاء الرقمي يتحرك بسرعة تتجاوز أحياناً قدرة المؤسسات على التحقق، وتنتشر الأخبار خلال دقائق قبل أن تتمكن الجهات الرسمية من إصدار روايتها. وفي مثل هذا السياق، يصبح الرهان الحقيقي ليس فقط على العقوبة، وإنما أيضاً على سرعة التواصل المؤسساتي، وشفافية المعلومة الرسمية، وتعزيز التربية الإعلامية لدى المواطنين، لأن مقاومة الأخبار الزائفة لا تُبنى بالسجون وحدها، بل تُبنى كذلك بثقة المجتمع في مصادره الرسمية وقدرته على التحقق.

وفي النهاية، يبدو أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة في السياسة الجنائية الرقمية، عنوانها الانتقال من مواجهة الجرائم الإلكترونية التقليدية إلى مواجهة جرائم التأثير المعلوماتي. لكن نجاح هذا التحول لن يقاس بعدد النصوص أو شدة العقوبات، وإنما بقدرة المشرع والقضاء على الحفاظ على معادلة دقيقة ظل العالم كله يبحث عنها حتى اليوم: كيف نحمي المجتمع من التضليل المنظم، دون أن يتحول الخوف من العقاب إلى قيد على حرية التعبير والصحافة والنقاش العمومي؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد قيمة هذا الإصلاح، ليس يوم التصويت عليه داخل البرلمان، بل يوم يبدأ تطبيقه على أرض الواقع.