ألف قاصر في أسبوع نحو سبتة… البحر لا يبتلع أبناء المغرب فقط، بل يبتلع مستقبله أيضاً
لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد حدود مائية تفصل المغرب عن مدينة سبتة المحتلة، بل تحول إلى مرآة صادمة تعكس أزمة تتجاوز الهجرة غير النظامية إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل المجتمع نفسه. فالأخبار القادمة من الضفة الأخرى لم تعد تتحدث فقط عن شبان يغامرون بحياتهم، بل عن أطفال وقاصرين ونساء وعائلات كاملة اختارت أن تجعل من البحر طريقاً للهروب، وكأن الوطن لم يعد قادراً على إقناعهم بأن الغد يمكن أن يولد داخله.
المعطى الأكثر إيلاماً هذه المرة، هو ما تداولته صحف إسبانية، التي أفادت بأن أكثر من ألف قاصر مغربي تمكنوا من دخول مدينة سبتة سباحة خلال أسبوع واحد. وإذا كانت دقة هذا الرقم تظل مرتبطة بما تنشره تلك المصادر، فإن مجرد تداوله بهذا الحجم يكشف عن ظاهرة غير مسبوقة، تستحق أن تُقرأ باعتبارها إنذاراً وطنياً، لا مجرد خبر عابر في صفحة الحوادث.
فحين يغادر الأطفال قبل الشباب، لا يعود السؤال: كم شخصاً عبر البحر؟ بل يصبح السؤال: ماذا بقي من الثقة حتى يختار طفل لم يبلغ سن الرشد أن يخوض مواجهة مع الأمواج بدل أن ينتظر مستقبله في المدرسة أو الجامعة أو داخل أسرته؟
وفي الوقت نفسه، تتواصل المأساة الإنسانية مع إعلان أسر مغربية جديدة فقدان الاتصال بأبنائها الذين حاولوا الوصول إلى سبتة سباحة. أسماء جديدة تنضم كل يوم إلى قائمة المفقودين؛ مروان، طارق، يوسف، هشام، سليمان، أحمد، محمد، عادل وغيرهم. خلف كل اسم أم لا تنام، وأب يطوف بين مراكز الشرطة والمستشفيات، وأسرة معلقة بين أمل النجاة وخوف العثور على جثة مجهولة الهوية.
ولم تعد محاولات العبور تقتصر على الشباب، فقد وثقت عمليات إنقاذ لنساء يحملن أطفالهن وسط الأمواج، بينما كان أطفال آخرون يسبحون إلى جانبهن في ظروف بحرية شديدة الخطورة. هنا يتغير معنى الهجرة بالكامل؛ فحين تصبح الأسرة كلها مشروع هجرة، فإن الأزمة لم تعد أزمة بطالة فقط، بل أزمة أمل.
إن أخطر ما تكشفه هذه الوقائع ليس عدد الذين وصلوا إلى سبتة، بل الفئة العمرية التي أصبحت تغامر بحياتها. فهؤلاء الأطفال هم الرصيد البشري الذي كان يفترض أن يدخل بعد سنوات قليلة إلى سوق الشغل، وأن يصبح منهم المعلم والطبيب والمهندس والتقني والجندي ورجل الأمن والمقاول والباحث ورب الأسرة. إنهم القوة التي كان المغرب سيعتمد عليها في مواجهة شيخوخة السكان، وفي تمويل أنظمة التقاعد، وفي استمرار عجلة الاقتصاد والإنتاج.

ولهذا فإن خسارة الأطفال لا تُقاس فقط بمن غرق أو اختفى أو هاجر، بل بما يخسره الوطن من مستقبله. فالدول الحديثة تعتبر الرأسمال البشري أهم من الثروات الطبيعية، لأنها تبني اقتصادها على الإنسان قبل أي شيء آخر. وعندما يبدأ هذا الرأسمال في النزيف وهو ما يزال في سنواته الأولى، فإن الخسارة تصبح استراتيجية، لا ظرفية.

لقد استثمر المغرب خلال العقود الماضية في مشاريع كبرى، وفي الطرق السيارة، والموانئ، والقطارات، والبنيات التحتية، وأطلق برامج للتشغيل والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ودعم الاستثمار، والحماية الاجتماعية، وإصلاح التعليم، وتمكين الشباب. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس حجم ما أُنفق، بل حجم ما وصل إلى الإنسان البسيط. فالتنمية لا تُقاس بالإسمنت والخرسانة فقط، بل بقدرتها على جعل المواطن يختار البقاء في وطنه بإرادته.
ولذلك فإن موجة الهجرة الحالية تستدعي تقييماً حقيقياً لمدى وصول ثمار التنمية إلى الفئات التي تشعر اليوم بأنها خارج معادلة الفرص. فحين يبقى عدد من الشباب مقتنعين بأن مستقبلهم يوجد خلف الأسلاك الشائكة أو في عرض البحر، فإن هذا يعني أن هناك فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية وبين الواقع الاجتماعي الذي يعيشه جزء من المواطنين.
كما أن الشعور بضعف تكافؤ الفرص، وتكرار الحديث المجتمعي عن الفساد الإداري والمالي، والمحسوبية، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، كلها عوامل تؤثر في مستوى الثقة بالمؤسسات، حتى وإن اختلفت درجات تأثيرها من شخص إلى آخر. لذلك فإن تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتحسين جودة الخدمات العمومية ليست فقط مطالب إصلاحية، بل أصبحت أيضاً أدوات للحد من دوافع الهجرة.



