لم تعد «سامير» في الخطاب الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد مصفاة متوقفة تنتظر مصيراً قضائياً. فجأة، تحولت خزاناتها إلى جزء من تصور سياسي يريد أن يجعل المغرب أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الخارج.
وهنا تكمن دلالة الاقتراح أكثر من الرقم نفسه.
ففي تقديم برنامجه الانتخابي بالرباط، وضع البام ما يسميه «الأمان الاستراتيجي» في قلب عرضه، رابطاً بين أربعة مجالات تبدو للوهلة الأولى متباعدة: الطاقة، والماء، والغذاء، والذكاء الاصطناعي. وقدّم الحزب هذه الملفات باعتبارها حلقات في سؤال واحد: كيف يمكن للدولة أن تقلل نقاط ضعفها قبل أن تتحول إلى أزمات؟
الالتزام رقم 17 يبدأ من الطاقة.
الحزب يقترح تكوين مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، مع إلزام مستوردي المحروقات بالتوفر على قدرات تخزين كافية، وتشديد الرقابة على انتظام التموين. لكنه يضيف تفصيلاً سياسياً وصناعياً شديد الدلالة: استغلال خزانات «سامير» الموجودة في المحمدية.
وهذا ليس تفصيلاً تقنياً عابراً.
فالمصفاة متوقفة منذ 2015، ودخلت التصفية القضائية سنة 2016، فيما ظل مصير أصولها عالقاً بين القضاء ومحاولات التفويت وإمكانية إعادة تشغيل النشاط. وفي فبراير الماضي، رفضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء عرضاً إماراتياً قُدّر بنحو 3.5 مليارات دولار للاستحواذ على أصول «سامير»، ما أبقى مستقبل المصفاة نفسها مفتوحاً على المجهول.
لكن المفارقة أن جزءاً من البنية التخزينية للموقع لا يزال قابلاً للاستخدام. وفي غشت 2026، ظهر ملف إعادة تأهيل أحد خزانات التخزين في الموقع، في وقت ما زالت فيه «سامير» تحت التصفية. وهذا يعيد إلى الواجهة قيمة الموقع حتى في غياب المصفاة نفسها.
لذلك، عندما يتحدث البام عن «سامير»، فهو لا يقدم بالضرورة وعداً مباشراً بإعادة تشغيل المصفاة. المقترح المعلن يتعلق أساساً باستغلال الخزانات ضمن منظومة المخزون الاستراتيجي. وهذه نقطة مهمة لأن إعادة تشغيل المصفاة قضية صناعية وقضائية ومالية مختلفة تماماً عن استعمال قدرات التخزين الموجودة.
ثم يأتي الرهان الثاني: الطاقة التي ينتجها المغرب بنفسه.
يريد الحزب رفع حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي إلى أكثر من 52 في المائة، مقابل نحو 46 في المائة وفق العرض الانتخابي للحزب.
بهذا المعنى، لا يبني «الأمان الطاقي» على مخزون المحروقات فقط. هناك طبقتان: احتياط لمواجهة الصدمة، وانتقال تدريجي لتقليل الحاجة إلى الخارج.
لكن البرنامج لا يتوقف عند الطاقة.
في الماء، يتحول الأمن إلى هندسة واسعة للعرض والطلب: نحو 400 منشأة مائية بين سدود صغرى وتلية ومنشآت لحصاد مياه الأمطار، وست محطات جديدة لتحلية مياه البحر، مع استهداف قدرة تتجاوز 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق 2031. ويقترح الحزب أيضاً استكمال الشطر الثاني من الربط بين الأحواض، وتوسيع الري المقتصد للماء، وحماية المياه الجوفية، وإنجاز نحو ألف نقطة مائية في المجالات الرعوية.
الأرقام هنا كبيرة، لكنها تكشف شيئاً آخر.
البام لا يتعامل مع أزمة الماء باعتبارها مجرد نقص في السدود. فهو يجمع بين زيادة العرض وتقليص الطلب وإعادة توزيع الموارد. وهذا يعني أن المعركة، وفق التصور المقترح، لن تكون فقط حول إنتاج مياه جديدة، بل حول من يستهلك الماء، وأين، وبأي ثمن، وتحت أي قواعد.
وتظهر الفكرة نفسها في الأمن الغذائي.
البرنامج يدعو إلى إعادة توجيه الاستثمار والدعم الفلاحي نحو حاجيات السوق الداخلية، وحماية البذور والأصناف والسلالات المحلية، وتقوية البحث الزراعي، وإعادة النظر في طريقة تدبير المخزون الاستراتيجي.
هنا ينتقل النقاش من «الفلاحة» إلى قدرة الدولة على ضمان الغذاء عندما تضطرب الأسواق العالمية أو تتراجع الموارد المائية أو ترتفع كلفة الاستيراد.
ثم يصل الميثاق إلى المنطقة التي ربما تبدو الأكثر طموحاً: الذكاء الاصطناعي.
الحزب يريد تكوين 5000 مؤطر، وإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم ابتداء من المستوى الإعدادي، ودعم البحث الجامعي، ثم بناء منظومة ذكاء اصطناعي مغربية، مع حوسبة سحابية وطنية سيادية ضمن تصور أوسع للسيادة الرقمية.
وهنا يتضح أن «الأمان» الذي يتحدث عنه البام ليس فقط خزانات وقنوات وسدوداً.
إنه تصور جديد للسيادة: من يملك الوقود، يملك هامشاً من القرار؛ ومن يملك الماء، يملك هامشاً آخر؛ ومن يؤمّن غذاءه، يقلل تعرضه للخارج؛ ومن يملك البيانات والقدرة الحوسبية والذكاء الاصطناعي، يحاول ألا يصبح تابعاً لمن يملك التكنولوجيا.
هذه هي النقلة الفكرية الأهم في البرنامج.
لكنها أيضاً نقطة الاختبار الأصعب.
فالحزب قدم برنامجه الانتخابي في إطار خمسة مواثيق و20 التزاماً، وقدّر الكلفة الإضافية التراكمية لتنفيذه بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي حوالي 70 مليار درهم سنوياً. وضمن البرنامج توجد التزامات أخرى ثقيلة، من بينها مليون منصب شغل صاف ومشاريع اجتماعية واستثمارات في الصحة والسكن والخدمات.
لذلك لن يكون السؤال الحقيقي بعد الانتخابات: هل كانت الأرقام كبيرة؟
الأرقام كبيرة بالفعل.
السؤال سيكون: أي منها يمكن تحويله إلى قدرة فعلية للدولة، وبأي كلفة، وفي أي ترتيب زمني؟
في حالة «سامير» مثلاً، لا يكفي الإعلان عن استغلال الخزانات. هناك وضع قضائي، وأصول تحتاج إلى صيانة وتأهيل، ومصفاة متوقفة منذ أكثر من عقد، وملف تفويت لم يحسم بعد. وفي الماء، لا تكفي إضافة محطات التحلية إذا لم يتغير سلوك الطلب وكلفة الإنتاج وشبكات التوزيع. وفي الذكاء الاصطناعي، لا يكفي تكوين 5000 مؤطر إذا لم تتشكل حولهم منظومة بحث وتمويل وحوسبة وبيانات وكفاءات قادرة على الاحتفاظ بالمواهب.
لهذا يبدو أن البام لا يقدم في «ميثاق الأمان» مجرد برنامج قطاعات.
إنه يضع أمام الناخب تصوراً لدولة تريد أن تكون أقل هشاشة أمام الخارج وأكثر قدرة على إنتاج احتياطاتها وقدراتها بنفسها.
غير أن السيادة، في النهاية، ليست شعاراً ولا رقماً انتخابياً. إنها بنية مكلفة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنفيذ، وموارد مالية، وقرارات قد تكون صعبة سياسياً.
ومن هنا تصبح «سامير» أكثر من خزان وقود في برنامج انتخابي.
إنها اختبار مبكر لفكرة كاملة: هل يستطيع المغرب أن يحول الأصول التي بقيت لسنوات عالقة بين القضاء والاقتصاد والسياسة إلى أدوات فعلية للأمن الاستراتيجي؟
وإذا نجح البام في إقناع الناخبين بهذه الرؤية، فلن يكون قد باعهم فقط وعداً بالماء أو الطاقة أو الذكاء الاصطناعي. سيكون قد عرض عليهم تصوراً لدولة تريد أن تدخل السنوات المقبلة وهي تحمل معها احتياطاتها، لا أن تنتظر الأزمة حتى تبدأ في البحث عنها.