سبتة تعود إلى واجهة الرباط ومدريد: بركة يرفض التراجع وإسبانيا ترسم خطاً أحمر

0
87

لم تحتج مدريد هذه المرة إلى انتظار بيان دبلوماسي جديد كي تفهم الرسالة القادمة من الرباط. نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، قالها خلال تجمع حزبي بوضوح: إسبانيا شريك أساسي للمغرب، لكن الرباط «لن تتراجع ولو شبراً واحداً» عن أراضيها.

التصريح جاء بعد أسابيع قليلة من أزمة سبتة، وفي اليوم التالي تقريباً للمواجهة السياسية التي شهدها البرلمان الإسباني حول تداعيات العبور الجماعي للمهاجرين إلى المدينة في نهاية يوليوز. وفي تلك الجلسة، وضع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية ضمن ما وصفه بالخطوط الحمراء في العلاقة مع المغرب.

بهذا المعنى، لم يكن كلام بركة مجرد إعادة إنتاج لموقف مغربي قديم. التوقيت هو الذي أعاده إلى قلب الأزمة الحالية.

مدريد ردت بالصيغة التي لا تترك مساحة كبيرة للتأويل: سبتة ومليلية إسبانيتان، ووحدة الأراضي الإسبانية ليست موضوعاً للتفاوض مع الرباط. وهذا الموقف لا يتعلق بحكومة بعينها فقط؛ فقد سبق للحكومة الإسبانية أن أكدت، في أزمات سابقة، أن السيادة والسلامة الإقليمية الإسبانية ليستا موضوعاً للتفاوض مع المغرب.

لكن التطور الأهم ربما لا يوجد في العبارة نفسها، بل في تراكم التصريحات التي سبقتها.

خلال الأسابيع الماضية، خرج أكثر من مسؤول مغربي للحديث عن سبتة ومليلية. تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي حول الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب، ثم تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق التي تضمنت حديثاً عن «تحرير» المدينتين، جعلت الملف ينتقل من خطاب حزبي أو تاريخي إلى تصريحات صادرة عن أعضاء في الحكومة.

ولهذا لم يكن احتجاج مدريد على كلام بركة هو أول اتصال دبلوماسي في هذه السلسلة.

في 21 غشت، استدعت الخارجية الإسبانية الجانب المغربي بسبب تصريحات مرتبطة بسبتة ومليلية. لكن التفاصيل التي ظهرت لاحقاً مهمة: السفيرة المغربية كريمة بنيعيش لم تكن موجودة في إسبانيا، ولذلك حضر القائم بالأعمال، بصفته المسؤول عن السفارة في غياب رئيس البعثة. الخارجية الإسبانية أوضحت أن ذلك لا يغيّر طبيعة الاستدعاء أو قيمته الدبلوماسية.

المفارقة هنا أن الاجتماع ظل بعيداً عن العلن إلى أن كشف عنه سانشيز في البرلمان في 3 شتنبر، أثناء مناقشة أزمة سبتة. ولم يكن الكشف منفصلاً عن الجدل الداخلي الإسباني حول الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع المغرب منذ بداية الأزمة.

ثم جاء بركة.

الوزير المغربي لم يربط في تصريحاته بين المطالبة الترابية وبين أي إجراء عملي ضد إسبانيا. ولم يقل إن التعاون بين البلدين انتهى. على العكس، بدأ حديثه بوصف إسبانيا بأنها «شريك أساسي». لكنه وضع إلى جانب هذه العبارة مباشرة موقفاً آخر لا يقل وضوحاً: المغرب لا يتنازل عن ما يعتبره أرضاً وطنية.

وهنا تظهر حدود الصيغة التي حاولت مدريد والرباط الحفاظ عليها خلال السنوات الأخيرة: تعاون واسع في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد، مع بقاء ملف سبتة ومليلية خارج أي تسوية معلنة.

الأزمة الأخيرة جعلت هذا التناقض أكثر وضوحاً، لا لأنها أثبتت أن ملف السيادة دخل مرحلة جديدة بالضرورة، وإنما لأنها وضعت ثلاث قضايا فوق بعضها في وقت واحد: أمن سبتة، والهجرة، والسيادة.

في 30 يوليوز، شهدت سبتة عبوراً جماعياً واسعاً للمهاجرين من جهة المغرب. الحكومة الإسبانية تعاملت مع الأمر باعتباره أزمة حدودية وأمنية، وأكدت لاحقاً أن الدخول غير النظامي إلى سبتة أو مليلية لا يمنح حق البقاء في إسبانيا أو الانتقال إلى أوروبا، وأن معظم من دخلوا في ذلك اليوم أعيدوا إلى المغرب. كما عززت السلطات الحاجز البحري عند معبر تاراخال.

لكن مسألة من يقف وراء تدفق المهاجرين بقيت، حتى بعد النقاش البرلماني، أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي الذي ظهر حولها.

سانشيز قال إن حكومته ستتحرك إذا ظهرت أدلة قوية تثبت مسؤولية المغرب، لكنه أكد في الوقت نفسه عدم وجود أدلة حاسمة تسمح له بتبني هذا الاتهام.

وهذه نقطة تفصل بين ما هو سياسي وما هو مثبت: وجود أزمة حادة في سبتة أمر واقع، ووجود خلاف دبلوماسي حول تصريحات المسؤولين المغاربة أمر معلن، أما تحميل الدولة المغربية مسؤولية تنظيم العبور الجماعي فيحتاج إلى أدلة لا توفرها التصريحات وحدها.

لذلك تبدو كلمات بركة أكثر أهمية في سياقها السياسي والدبلوماسي من اعتبارها إعلاناً عن خطوة جديدة.

فالرجل لا يتحدث فقط بصفته وزيراً في الحكومة؛ إنه أيضاً أمين عام حزب الاستقلال، الذي يستعد للاستحقاق التشريعي في 23 شتنبر. وهذا السياق يفسر لماذا صدر التصريح في تجمع حزبي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الحكومة المغربية قررت تغيير سياستها تجاه إسبانيا.

في المقابل، لا تبدو مدريد مستعدة لترك التصريحات تمر من دون رد، خصوصاً بعدما أصبحت سبتة ومليلية جزءاً من نقاش داخلي إسباني أوسع حول الحدود والهجرة وعلاقة الحكومة بالمغرب.

وزيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة في 11 غشت كانت تحمل بدورها رسالة واضحة. فقد أكد خلالها التزام الحكومة الإسبانية بسيادة إسبانيا وسلامتها الإقليمية، وربط التعامل مع الأزمة بالتعاون مع المغرب وبحماية الحدود.

وهكذا أصبح الطرفان يتحدثان في مستويين مختلفين في الوقت نفسه.

مدريد تقول إن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية محسومة وغير قابلة للتفاوض. والرباط تقول إن المدينتين جزء من الأراضي التي لا تتنازل عنها. وبين الموقفين تستمر المصالح المشتركة: الأمن، والهجرة، والتجارة، والتنسيق الحدودي.

لا توجد، في المعطيات المتاحة، مؤشرات على أن هذا التصعيد اللفظي تحول إلى قطيعة في التعاون. لكن توجد مؤشرات واضحة على أن ملف سبتة ومليلية خرج من الهدوء النسبي الذي طبع الخطاب الرسمي بين البلدين في السنوات الأخيرة، وعاد إلى الواجهة عبر سلسلة متتابعة من التصريحات والاحتجاجات.

وهذه المرة، لم يعد ممكناً فصل النقاش حول المدينتين عن أزمة يوليوز، حتى وإن لم تثبت التحقيقات حتى الآن علاقة سببية بين الحدثين.

الحدود بقيت مفتوحة للتعاون، لكن اللغة حول السيادة أصبحت أكثر صلابة من السابق. وفي العلاقات المغربية الإسبانية، قد يكون هذا بحد ذاته هو التطور الذي ينبغي مراقبته: ليس لأن مواجهة جديدة أصبحت حتمية، بل لأن الملف الذي كان يُترك في الخلفية عاد ليظهر في كل مرة تتوتر فيها العلاقة حول الحدود.