تعود إلى الواجهة، من جديد، قضية تدبير المال العام داخل الجماعات الترابية، بعد تداول معطيات عن تقارير لمجالس جهوية للحسابات رصدت اختلالات في صفقات وسندات طلب بعدد من جهات المملكة. المعطيات المنشورة تتحدث عن فواتير ووثائق مالية محل شبهة، وتكرار اللجوء إلى مزودين بعينهم، وتقسيم طلبيات، وشروط تقنية وإدارية قد تكون ضيقت دائرة المنافسة، فضلاً عن حالات إلغاء وإعادة برمجة لسندات طلب. لكن الأهم في هذه القضية ليس حجم ما تكشفه التقارير فقط، بل السؤال الذي يسبق كل الأسئلة: من يملك قرار الصرف أصلاً، ومن تقع عليه مسؤولية هذا القرار؟
الجواب القانوني هنا مهم حتى لا تختلط المسؤوليات. في الجماعة، رئيس المجلس هو الآمر بالصرف؛ أي إنه المسؤول عن إصدار الأوامر المرتبطة بقبض المداخيل وصرف النفقات، بينما يعهد بتنفيذ العمليات المالية والمحاسبية إلى الآمر بالصرف والخازن. لذلك لا يصح اختزال المسؤولية في عبارة فضفاضة من قبيل «وزارة الداخلية هي التي تصرف»، لأن الوزارة ليست هي التي توقع النفقة الجماعية بدلاً من رئيس الجماعة. في المقابل، ليست الداخلية خارج الصورة أيضاً: فهي تمارس، عبر أجهزتها المختصة، المواكبة والمراقبة الإدارية والمالية، كما أن المفتشية العامة للإدارة الترابية تملك صلاحيات الافتحاص والتدقيق والتفتيش في تدبير الجماعات.
وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في الملف. المال جماعي، القرار منتخب، والرقابة موزعة بين أكثر من مؤسسة. رئيس الجماعة يقرر وينفذ بصفته آمراً بالصرف، والخازن العمومي يتولى الجانب المحاسبي، والداخلية تراقب في حدود الاختصاصات القانونية، بينما يتدخل المجلس الأعلى للحسابات ومجالسه الجهوية في الرقابة والتدقيق والقضاء المالي وفق اختصاصاتها. هذه البنية يفترض أن تمنع الانفراد بالمال العام، لكنها تصبح أقل فعالية عندما تتحول المساطر نفسها إلى غطاء شكلي لقرارات سبق اتخاذها في مكان آخر.
وهذا تحديداً ما يجعل استعمال سندات الطلب نقطة تستحق التوقف. فمرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431 يسمح بالشراء عن طريق سندات الطلب في حدود 500 ألف درهم، مع احتساب السقف داخل السنة المالية بالنسبة إلى أعمال من النوع نفسه وحسب كل آمر بالصرف. المشكلة إذن ليست في وجود سند الطلب كآلية قانونية، وإنما في تحويل آلية مبسطة إلى وسيلة لتفادي المنافسة أو تفتيت طلبية كان يفترض أن تخضع لمسار أكثر صرامة. وقد كشفت تحقيقات منشورة خلال 2026 عن شبهات تتعلق تحديداً بتجزئة طلبيات جماعية إلى سندات طلب، وعن ملفات تجاوزت قيمتها الإجمالية 90 مليون درهم في بعض التحقيقات.
والأخطر أن بعض المؤشرات التي تحدثت عنها التقارير ليست مرتبطة بصفقة واحدة، بل بالنمط: المزود نفسه يتكرر، المبالغ تتقارب، الفواتير تتشابه، والموضوعات تتغير من تجهيزات إلى صيانة أو خدمات أو مواد مختلفة. عندما تتكرر هذه العناصر في جماعة واحدة، يصبح السؤال الرقابي مختلفاً: هل نحن أمام أخطاء إدارية متفرقة، أم أمام طريقة اشتغال مستقرة تعرف كيف تستعمل النص القانوني للوصول إلى نتيجة محددة سلفاً؟ قضاة الحسابات لا يحاكمون النوايا، لكنهم يستطيعون قراءة آثارها في الوثائق.
ومن هنا تأتي خطورة ما يوصف بـ«فبركة» الفواتير. فإذا ثبت أن وثيقة مالية لا تعكس توريداً أو خدمة حقيقية، فالمسألة تتجاوز سوء التدبير إلى شبهة مالية يمكن أن تترتب عنها مسؤوليات مختلفة بحسب الوقائع والأدلة. أما مجرد وجود ملاحظة في تقرير رقابي فلا يعني تلقائياً أن رئيس الجماعة أصبح متهماً جنائياً أو أن الإدانة أصبحت محسومة. التقارير الرقابية تفتح الأبواب أمام المساءلة، لكنها لا تستبدل التحقيق القضائي ولا الحكم.
وهذه النقطة بالذات ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج السياسي والإعلامي. فالمعطيات المتداولة عن جماعات في الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة وفاس–مكناس وبني ملال–خنيفرة لا تعني، قانونياً، أن «نصف البلاد فاسد»، كما لا تعني أن كل رئيس جماعة ورد اسمه في ملاحظة رقابية ذاهب إلى السجن. حتى التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024–2025 يبين أن جزءاً من الملفات ينتهي بعدم ثبوت المؤاخذة، وأن أسباب الاختلالات قد تشمل أيضاً ضعف الرقابة الداخلية والنقص في الموارد البشرية وعدم الإلمام الكافي بالنصوص المنظمة للصفقات.
لكن السؤال الشعبي يبقى مشروعاً: إذا كانت الاختلالات تتكرر، وإذا كانت بعض الملفات تعود كل ولاية انتخابية تقريباً، فما الذي يتغير فعلياً بعد كل تقرير؟ هنا تكمن المشكلة الأعمق. المواطن لا ينتظر تقريراً جديداً يصف الطريقة نفسها للمرة العاشرة؛ يريد أن يعرف ماذا حدث بعد التقرير التاسع والثامن والسابع، ومن استرجع المال، ومن عوقب، ومن مُنع من تكرار التجربة.
المجلس الأعلى للحسابات نفسه لا يعمل في فراغ؛ فقد سجل تقريره الأخير أن وزير الداخلية رفع 27 طلباً إلى وكلاء الملك لدى المجالس الجهوية للحسابات خلال الفترة المعنية، كما أظهرت أعمال التدقيق والتحقيق استرجاع نحو 16.4 مليون درهم لفائدة خزينة الأجهزة المعنية. وفي المقابل، بلغت نسبة الأفعال التي انتهى فيها البت بعدم ثبوت المؤاخذة حوالي 39 في المائة ضمن الملفات المشار إليها. هذه الأرقام تكشف شيئاً مهماً: المسار الرقابي موجود، لكنه لا يتحول آلياً إلى مسار جنائي.
لذلك فإن السؤال الأكثر جدية ليس: «كم رئيس جماعة سيدخل السجن؟»، بل: كم ملفاً سيصل إلى نهايته القانونية، وكم درهماً سيعود إلى المال العام، وكم مسؤولاً ستترتب عليه فعلاً مسؤولية شخصية؟ السجن ليس المؤشر الوحيد على نجاح المحاسبة، كما أن النسيان ليس نتيجة حتمية لكل ملف. المحاسبة الحقيقية تبدأ عندما يصبح اكتشاف الخلل بداية لمسار واضح: افتحاص، أجوبة، قرار، إحالة عند الاقتضاء، حكم أو حفظ معلل، واسترجاع للمال إن ثبت الضرر.
أما إذا انتهت الحكاية كل مرة عند حدود «تقرير مسرب» و«مصادر مطلعة» ثم مرت الأشهر، وتغيرت الولاية الانتخابية، وظهر المنتخب نفسه في موقع سياسي جديد، فالمشكلة لن تكون فقط في فواتير جرى التلاعب بها؛ ستكون في نظام كامل يستطيع اكتشاف الاختلال بعد وقوعه، لكنه لا ينجح دائماً في جعل كلفة الاختلال أعلى من فائدته.
وهنا تحديداً يجب أن تتجه الأنظار إلى وزارة الداخلية، لا باعتبارها الجهة التي «تصرف» أموال الجماعات، وإنما باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة الرقابة والمواكبة الإدارية والمالية. فإذا كانت تقارير الحسابات تكشف أنماطاً متكررة، فإن السؤال الذي ينتظر جواباً مؤسسياً هو: ماذا فعلت أجهزة الرقابة قبل أن تصبح هذه الاختلالات مادة لتقارير الحسابات؟ وماذا ستفعل بعد أن أصبحت أمامها؟
لأن جوهر القضية في النهاية ليس عدد الرؤساء الذين قد يحاكمون، بل ما إذا كان المال العام سيظل يُحمى بعد وقوع الضرر، أم سننتقل أخيراً إلى مرحلة أكثر صعوبة: منع الضرر قبل وقوعه.