قانون IPTV في المغرب.. حين تصبح مكافحة القرصنة معركة على جيب المواطن: من سيدفع ثمن «المشاهدة القانونية»؟

0
76

دخل القانون رقم 013.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7533، ليضع المغرب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع القرصنة الرقمية والبث غير المرخص. النص وسّع تعريف البث التلفزيوني والنقل إلى الجمهور ليشمل الوسائط الرقمية والإنترنت، وأدخل للمرة الأولى تعريفاً صريحاً للقرصنة باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو تسجيل أو أداء، بما في ذلك الوسائل الرقمية.

لكن خلف اللغة القانونية الهادئة توجد قضية اجتماعية واقتصادية أكثر حساسية: ماذا سيحدث للمواطن الذي اعتاد أن يدفع عشرات أو مئات الدراهم سنوياً للحصول على مئات القنوات والمباريات والأفلام، عندما يصبح الطريق القانوني أكثر كلفة؟ هنا تحديداً يبدأ الجزء الذي لا يظهر في النص القانوني، لكنه قد يكون أهم من النص نفسه. فالدولة تستطيع أن تمنع القرصنة وتحمي أصحاب الحقوق، لكن السوق لا يتحول بأمر قضائي وحده. إذا أُغلقت القنوات غير القانونية من دون أن توجد بدائل قانونية بأسعار تستطيع الأسر المغربية تحملها، فإن المواطن لن ينتقل بالضرورة إلى الاشتراك الرسمي؛ قد ينتقل إلى اشتراك قانوني أغلى، أو يبحث عن سوق قرصنة أكثر تعقيداً.

القانون، في حد ذاته، لا يقول إن المواطن الذي يجلس في بيته ويشاهد محتوى مقرصناً سيُعامل مثل الشخص الذي يبيع الاشتراكات ويعيد توزيع المحتوى. هذه نقطة يجب عدم طمسها في النقاش العام. المواد الجديدة تركز على الخرق والاستغلال والنقل إلى الجمهور، وتمنح الأعوان المؤهلين صلاحيات أوسع في البحث والمعاينة والحجز، بينما تحيل المخالفات إلى النيابة العامة. كما تخول للمحكمة إصدار أوامر بمنع أو إيقاف الخرق، بما في ذلك مواجهة الأشخاص أو الجهات القادرة بحكم وظائفها واختصاصاتها على وقف النقل غير المشروع.

المستهدف الحقيقي إذن هو بناء سلسلة قانونية أكثر قدرة على الوصول إلى الموزع، والمستغل التجاري، والبنية التقنية التي تتيح إعادة بث المحتوى. والعقوبات ليست رمزية؛ فالمادة 64، في صيغتها المعدلة، تربط بعض الانتهاكات المتعمدة بعقوبات جنائية، كما تجرّم عرقلة الأعوان المؤهلين عن أداء مهامهم.

وهنا تظهر المفارقة الاجتماعية. آلاف الأشخاص في المغرب لا يتعاملون مع IPTV بوصفه صناعة تقنية أو جريمة منظمة، وإنما باعتباره سوقاً صغيرة تدر دخلاً على موزع محلي، أو صاحب محل، أو شخص يبيع اشتراكات لأفراد يعرفهم. بعض هؤلاء قد يكونون مجرد حلقة صغيرة في سلسلة دولية للقرصنة، وبعضهم قد يكون نشاطه أكثر تنظيماً وربحية. القانون لا يساوي بالضرورة بين الحالتين، لكن اتساع أدوات البحث والمراقبة يجعل السؤال مشروعاً: هل ستكون الملاحقة متناسبة مع حجم الفعل وموقع الشخص داخل منظومة القرصنة؟

الأهم من ذلك أن الدولة لا تحارب هنا مجرد «قرصنة»، بل تعيد تنظيم سوق كاملة. وعندما تنتقل ملايين الأسر من الاشتراكات غير القانونية إلى الاشتراكات الرسمية، فإن الأموال التي كانت تدور في سوق غير منظمة ستنتقل إلى شركات ومنصات وأصحاب حقوق وموزعين رسميين. وهذا في ذاته ليس أمراً سلبياً؛ فالمحتوى له تكلفة، والرياضة والسينما والإنتاج التلفزيوني حقوق اقتصادية حقيقية. لكن حماية هذه الحقوق تصبح ناقصة إذا لم تُطرح معها قضية القدرة الشرائية للمستهلك.

ولنفترض، فقط لأغراض فهم حجم المسألة، أن مليوني أسرة احتاجت إلى اشتراك قانوني سنوي متوسطه 2000 درهم. نحن نتحدث عن نحو 4 مليارات درهم سنوياً. وإذا بلغ المتوسط 3500 درهم، فإن الرقم يقترب من 7 مليارات درهم. هذه ليست أرقاماً تمثل سعراً رسمياً موحداً في المغرب، وإنما سيناريو حسابي لتوضيح حجم السوق المحتمل؛ إذ تظهر عروض تجارية منشورة حالياً اشتراكات سنوية في حدود 1990 درهماً لبعض الباقات و3490 درهماً لباقات أوسع، بينما تؤكد منصة beIN الرسمية أن الأسعار تختلف بحسب الباقات والأسواق والعروض.

عند هذه النقطة يصبح السؤال سياسياً، ولكن ليس بالمعنى الحزبي الضيق: من يحدد سعر الوصول إلى المحتوى؟ هل سيكون المواطن المغربي قادراً على مشاهدة الرياضة والأفلام والقنوات العالمية بسعر يتناسب مع دخله، أم أن مكافحة القرصنة ستتحول عملياً إلى إعادة توزيع للسوق من ملايين المستهلكين الصغار نحو عدد محدود من الفاعلين الكبار الذين يملكون الحقوق والمنصات والقدرة على التسويق؟

الحكومة نفسها قدمت المشروع باعتباره استجابة للتحول الرقمي وتغير طرق استهلاك المحتوى، وربط وزير الشباب والثقافة والتواصل الإصلاح أيضاً بمواكبة الاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وهذا مفهوم من زاوية حماية الحقوق والاستعداد لسوق إعلامية ورياضية ستزداد قيمتها. لكن كلما ارتفعت قيمة السوق، ارتفعت أيضاً أهمية السؤال عن المستفيد النهائي منها.

المشكلة إذن ليست في أن المغرب يريد محاربة القرصنة؛ فمن الصعب منطقياً الدفاع عن سرقة حقوق المنتجين والناشرين وأصحاب البث. المشكلة تبدأ إذا اعتقدنا أن تجريم العرض يكفي لصناعة الطلب القانوني. المواطن لا يختار دائماً القرصنة لأنه يريد مخالفة القانون؛ أحياناً يختارها لأن المنتج القانوني أغلى بكثير من قدرته الشرائية، ولأنه يريد عشرات الخدمات في اشتراك واحد بدلاً من دفع اشتراكات متعددة.

لهذا سيكون اختبار القانون الحقيقي خارج الجريدة الرسمية: هل ستترافق الملاحقة مع عروض قانونية منخفضة الكلفة؟ هل ستظهر باقات مغربية أو إقليمية مصممة للطبقة المتوسطة؟ هل سيجد الشاب الذي كان يبيع اشتراكات غير قانونية فرصة للانتقال إلى نشاط قانوني في مجال التوزيع والخدمات الرقمية؟ وهل ستتحول حماية الحقوق إلى صناعة فرص، أم إلى إغلاق سوق رخيصة قبل فتح سوق قانونية متاحة للجميع؟

أما عبارة «المال يتحكم في السياسة»، فهي أكبر من أن تثبتها هذه الحالة وحدها، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام بلا أدلة. لكن القانون يفتح بالفعل سؤالاً مشروعاً عن اقتصاد السياسة التشريعية: عندما تصبح حقوق البث سوقاً بمليارات الدراهم، لا يعود النقاش قانونياً فقط؛ يصبح أيضاً نقاشاً حول من يملك الحقوق، ومن يملك المنصات، ومن يحدد الأسعار، ومن يدفع الفاتورة في النهاية.

وفي هذه المعادلة، المواطن الضعيف لا يحتاج إلى قانون يحميه من القرصنة فقط، بل إلى سوق قانونية تحميه من أن تصبح المشاهدة المشروعة امتيازاً طبقياً. فنجاح القانون لن يقاس بعدد الخوادم التي أُغلقت أو الموزعين الذين تمت ملاحقتهم، وإنما بالسؤال الأبسط والأكثر قسوة: هل يستطيع المواطن المغربي العادي أن يشتري القانون من دون أن يعاقبه دخله على احترامه؟