قبل تجديد الثقة في وهبي… من يُحاسب على قرار تعيينه قبل ثلاثة أشهر فقط من كأس العالم، وأين ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة؟

0
88

من يحاسب قرارًا غيّر مصير المنتخب؟ قراءة في تثبيت وهبي بين منطق الاستمرارية… وسؤال المسؤولية الغائب

في كرة القدم الحديثة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد الانتصارات فقط، بل بقدرتها على مساءلة نفسها بعد الهزائم. فالخسارة ليست نهاية المشروع، لكنها غالبًا بداية التحقيق فيه. لهذا، تتحول الإقصاءات الكبرى في الدول الكروية إلى لحظة مراجعة شاملة: من اختار المدرب؟ لماذا اختير؟ هل كانت الفرضيات صحيحة؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار إذا ثبت العكس؟ أما في المغرب، فيبدو أن الهزيمة تنتهي غالبًا ببلاغ يؤكد “الثقة”، بينما تبدأ الأسئلة خارج المؤسسة لا داخلها.

هذا هو المعطى الذي يفرض نفسه بعد إعلان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تجديد الثقة في محمد وهبي، عقب خروج المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 أمام فرنسا، واعتبار المشاركة “إيجابية ومشرفة”، في الوقت الذي كانت فيه تصريحات الناخب الوطني نفسها قد فتحت نقاشًا أعمق من مجرد نتيجة مباراة، لأنها مست جوهر العقلية التي دخل بها المنتخب إلى واحدة من أهم مواجهاته.

عندما تصبح الكلمات جزءًا من الهزيمة

في كرة القدم، لا يخسر المدرب داخل الملعب فقط، بل قد يخسر قبل صافرة البداية إذا نجح، من حيث لا يدري، في زرع الشك داخل مجموعته.

التصريحات المنسوبة إلى محمد وهبي، والتي تحدث فيها عن الفارق في جودة اللاعبين بين المغرب وفرنسا، لم تُقرأ جماهيريًا باعتبارها تحليلًا تقنيًا، بل باعتبارها اعترافًا مسبقًا بتفوق المنافس. وبينما كانت الجماهير تنتظر خطابًا يبني الثقة، خرج خطاب بدا أقرب إلى تبرير الفارق قبل خوض المعركة.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كان المنتخب المغربي قد خسر ذهنيًا قبل أن يخسر تكتيكيًا؟

فالمنتخبات الكبرى لا تدخل المباريات وهي تبحث عن أعذار، بل وهي تبحث عن حلول. والمدرب في هذا المستوى ليس محللًا تلفزيونيًا يصف الواقع، بل قائدًا يصنع الإيمان داخل غرفة الملابس.

القرار الذي سبق المونديال… هل كان مغامرة محسوبة؟

يصعب فصل النقاش عن توقيت تعيين محمد وهبي نفسه.

فالجامعة اختارت تغيير القيادة التقنية قبل أشهر قليلة فقط من انطلاق كأس العالم، في خطوة أعادت إلى الأذهان سيناريو مونديال قطر 2022، عندما أُقيل البوسني وحيد خليلوزيتش قبل فترة قصيرة من البطولة، وتم تعيين وليد الركراكي، الذي قاد المنتخب إلى الإنجاز التاريخي ببلوغ نصف النهائي.

لكن التشابه يتوقف عند التوقيت.

في قطر، جاءت النتيجة لتمنح القرار شرعية تاريخية. أما في مونديال 2026، فإن النتيجة أعادت فتح النقاش حول مدى سلامة تكرار الرهان نفسه.

فالنجاح السابق لا يحول الاستثناء إلى قاعدة. وما نجح مرة ليس بالضرورة وصفة صالحة لكل مرة.

وهنا تظهر إحدى أخطر الظواهر في إدارة الرياضة المغربية: تحويل التجربة الناجحة إلى نموذج ثابت، بدل التعامل مع كل مرحلة وفق ظروفها الخاصة.

هل يكفي الوصول إلى ربع النهائي؟

الجامعة دافعت عن قرارها بالاستناد إلى أرقام تبدو قوية: استمرار الصعود في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، بلوغ ربع النهائي، ومراكمة الإنجازات منذ سنة 2018.

كل ذلك صحيح من حيث الوقائع.

لكن السؤال الذي يطرحه منطق الرياضة الاحترافية ليس: ماذا حقق المشروع في الماضي؟

بل: هل حقق في هذه البطولة أقصى ما كان قادرًا على تحقيقه؟

لأن تقييم الأداء لا يقوم فقط على النتيجة المجردة، وإنما على الإمكانيات المتاحة، والخصم، وسير المباراة، والقرارات الفنية، والجانب الذهني.

وهنا يبرز نقاش آخر. فبعد خسارة المغرب أمام فرنسا، ظهر المنتخب الفرنسي نفسه أقل إقناعًا أمام إسبانيا، وهو ما دفع قطاعًا واسعًا من المتابعين إلى الاعتقاد بأن الفرصة كانت أكبر مما أوحى به الخطاب الرسمي، وأن المنتخب المغربي ربما خسر أمام صورة ذهنية عن فرنسا أكثر مما خسر أمام فرنسا الموجودة فعلًا فوق أرضية الميدان.

سواء كان هذا التقييم دقيقًا أو مبالغًا فيه، فإنه يعكس أزمة ثقة بين جزء من الرأي العام والخطاب الرسمي للجامعة، أكثر مما يعكس مجرد نقاش حول مباراة واحدة.

بين حماية المنتخب… وحماية القرار

البيان الصادر عن الجامعة لم يكتف بالدفاع عن الاستمرارية، بل انتقد أيضًا ما وصفه بالإشاعات والمغالطات التي أعقبت مباراة فرنسا، داعيًا إلى حماية المنتخب من التشويش.

من حيث المبدأ، لا أحد يختلف حول ضرورة حماية المنتخب الوطني من حملات التضليل أو الإساءة للاعبين.

لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين حماية المنتخب، وحماية القرارات الإدارية من النقاش.

في الديمقراطيات الرياضية، لا يُعد نقد اختيارات المدرب أو رئيس الاتحاد تشويشًا، بل أحد مظاهر الرقابة المجتمعية على مؤسسة تدير شأنًا عامًا وتحظى بتمويل ودعم عموميين.

ولهذا، فإن توسيع مفهوم “التشويش” ليشمل كل نقد، قد يؤدي عمليًا إلى إغلاق باب المساءلة.

لماذا لا يفتح التحقيق بعد الإخفاق؟

عندما تغادر منتخبات كبرى البطولات، تبدأ غالبًا سلسلة من جلسات التقييم، واللجان الفنية، والاستماع إلى المدرب، وأحيانًا تنتهي باستقالات أو إعفاءات، حتى عندما تكون النتائج أفضل من نتائج المغرب.

المساءلة لا تعني البحث عن كبش فداء، بل تعني احترام المؤسسة لنفسها أولًا.

أما في كثير من دول العالم الثالث، ومنها المغرب، فإن ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات الرياضية لا تزال محدودة. وغالبًا ما تُقدَّم الاستمرارية باعتبارها فضيلة في حد ذاتها، دون نقاش علني حول كلفة القرار أو البدائل الممكنة.

وهنا لا يتعلق الأمر بشخص محمد وهبي وحده، بل بطريقة صناعة القرار الرياضي نفسها.

من يقيّم قرار التعيين؟

ومن يقيّم توقيته؟

ومن يراجع الفرضيات التي بُني عليها؟

وهل توجد داخل الجامعة آليات مستقلة للتقييم، أم أن الجهة التي تتخذ القرار هي نفسها التي تمنحه لاحقًا شهادة النجاح؟

2030… هل بدأ توزيع الأدوار قبل إغلاق ملف 2026؟

اللافت أن اجتماع المكتب المديري لم يقتصر على تثبيت المدرب، بل انتقل سريعًا إلى الحديث عن التحضير لتنظيم كأس العالم 2030 وتوزيع الأدوار بين الجامعة ومؤسسة “المغرب 2030”.

رسميًا، يبدو الأمر طبيعيًا، لأن التحضير لهذا الحدث العالمي يتطلب عملًا مبكرًا.

لكن سياسيًا وإداريًا، يثير تزامن الرسالتين سؤالًا مشروعًا: هل أُغلق ملف مونديال 2026 بسرعة من أجل فتح صفحة 2030 دون وقفة نقدية كافية؟

فالنجاح في تنظيم كأس العالم شيء، والنجاح في المنافسة عليه شيء آخر.

وإذا كان المغرب يطمح إلى أن يكون ضمن القوى الكروية الكبرى، فإن أول ما يميز هذه القوى ليس ملاعبها ولا منشآتها، بل ثقافة المحاسبة داخل مؤسساتها الرياضية.

ما بين السطور

لا يبدو أن النقاش الحقيقي اليوم يدور حول بقاء محمد وهبي أو رحيله فقط.

النقاش الأعمق يتعلق بالسؤال الذي ظل مؤجلًا لسنوات: هل أصبحت القرارات داخل كرة القدم المغربية فوق النقاش؟

فالمنتخبات تُهزم وتفوز في كل العالم، لكن المؤسسات القوية هي التي تعتبر كل إخفاق فرصة لمراجعة نفسها، لا مناسبة لتجديد الثقة تلقائيًا.

أما المؤسسة التي تكتفي بتأكيد صحة قراراتها بعد كل نتيجة، فإنها لا تطلب من الجمهور أن يثق في مشروعها فقط، بل أن يسلّم أيضًا بأن قراراتها لا تخطئ.

وبين الثقة المشروعة في مشروع رياضي وغياب المساءلة عن القرارات المصيرية، توجد مساحة واسعة اسمها الحوكمة.

وهذه هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها المغرب قبل أن يخوض كأس العالم 2030. فالرهان لم يعد فقط على بناء الملاعب أو استضافة البطولة، بل على بناء ثقافة مؤسساتية تجعل كل قرار قابلًا للتقييم، وكل مسؤول خاضعًا للمساءلة، لأن الرياضة التي تطمح إلى منافسة الكبار لا يمكن أن تُدار بعقلية تعتبر النقد تشويشًا، ولا المراجعة تهديدًا، بل تجعل من المحاسبة أحد شروط صناعة الإنجاز المستدام.