بحسب معطيات أوردها موقع «نيشان» نقلاً عن مصادر مطلعة، شهدت الساعات الأخيرة من مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية تحركات من قيادة التجمع الوطني للأحرار لتفادي الانتقال إلى المعارضة. وتفيد الرواية بأن الحزب أبدى استعداداً لتليين مطالبه المتعلقة بالحقائب الوزارية، والتراجع عن بعض شروط المشاركة، وحتى القبول بتمثيلية محدودة داخل الحكومة المقبلة. ومع ذلك، لم تُفضِ هذه المرونة، وفق المصادر نفسها، إلى إزالة تحفظات لدى قيادة الأصالة والمعاصرة.
التفاصيل المتاحة ترسم صورة لمفاوضات لم تكن تدور حول عدد الوزراء وحده. فحين يصبح تقليص المطالب الوزارية جزءاً من محاولة ضمان المشاركة، تنتقل المساومة إلى سؤال آخر: ما الموقع الذي سيحتله الحزب داخل الأغلبية، وما مقدار النفوذ الذي سيحتفظ به في تدبير القطاعات الحكومية؟
وتقول مصادر «نيشان» إن التجمع الوطني للأحرار أبدى مرونة بشأن توزيع الحقائب، ولم يعد متشبثاً، وفق الرواية المنشورة، بقطاعات اقتصادية وازنة أو بأسماء محددة لتولي المسؤوليات التنفيذية. لكن هذه المعطيات تظل منسوبة إلى مصادر مطلعة، ولا تتضمن تفاصيل موثقة عن طبيعة التنازلات المقترحة أو الأطراف التي تلقتها أو ردودها الرسمية عليها.
المسألة تتجاوز الحقائب
تكتسب تحفظات الأصالة والمعاصرة أهميتها من موقع الحزب في المفاوضات الجارية لتشكيل الأغلبية. فإدماج حزب آخر في التركيبة الحكومية يفرض إعادة النظر في توزيع المسؤوليات، وفي التوازن بين مكونات التحالف، وفي المساحة المتاحة لكل طرف لترجمة برنامجه إلى قرارات حكومية.
وإذا صح أن التجمع الوطني للأحرار خفّض سقف مطالبه، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن العقبة كانت محصورة في حجم التمثيلية الوزارية. فقد تتصل الخلافات أيضاً بترتيب الأولويات، أو بتوزيع القطاعات الاقتصادية، أو بالأسماء المرشحة لتحمل المسؤولية. وهذه احتمالات تتيحها طبيعة المفاوضات، لكنها لا تصبح وقائع ثابتة من دون تفاصيل إضافية أو تأكيد من الأطراف المعنية.
وتشير الرواية المنشورة إلى أن قيادة الأصالة والمعاصرة لم تُبدِ حماساً لإدخال الأحرار في الحكومة الجديدة، حتى بعد إبداء الحزب مرونة في مطالبه. غير أن المعطيات المتاحة لا تكفي وحدها للجزم بأن قرار إخراج التجمع من الأغلبية اتُّخذ بصورة نهائية، أو بأن جهة واحدة كانت صاحبة القرار الحاسم في هذا المسار.
من خطاب قبول المعارضة إلى اختبار المفاوضات
كان محمد شوكي، رئيس التجمع الوطني للأحرار، قد أكد أن خدمة البلاد ممكنة من أي موقع، بما في ذلك المعارضة. وهذا الموقف المعلن يظل منفصلاً عن الرواية التي تتحدث عن اتصالات مكثفة لتفادي مغادرة الأغلبية. فلا يوجد تناقض ضروري بين إعلان الاستعداد لتحمل مسؤولية المعارضة وبين محاولة التفاوض من أجل المشاركة في الحكومة؛ فالأول موقف سياسي معلن، والثاني، إن صحت تفاصيله، جزء من تدبير المفاوضات قبل حسم التشكيلة النهائية.
لكن التوقيت يظل مهماً. فالتنازلات التي تُطرح في نهاية المشاورات تكون قيمتها مرتبطة بما بقي من إمكانات التوافق، وبمدى استعداد بقية الأطراف لإعادة فتح ملفات سبق أن حُسمت أو جرى تجاوزها. وقد لا يكفي تعديل المطالب إذا كانت الخلافات تتعلق بالتوازن العام داخل الأغلبية، أو إذا كانت الأطراف قد بنت حساباتها على صيغة مختلفة للمشاركة الحكومية.
وفي المقابل، لا يمكن قراءة احتمال انتقال الأحرار إلى المعارضة باعتباره حكماً مسبقاً على موقع الحزب في المرحلة المقبلة. فالمعارضة نفسها قد تمنح الحزب مساحة لإعادة ترتيب خطابه السياسي ومراجعة تجربته الحكومية، لكن أثر ذلك سيظل مرتبطاً بما سيختاره الحزب فعلياً، وبطبيعة الملفات التي سيتبناها، وبمدى قدرته على تقديم بدائل قابلة للنقاش.
حتى الآن، تبقى النقطة الأساسية في رواية «نيشان» هي أن محاولات التوصل إلى صيغة تضمن استمرار مشاركة التجمع الوطني للأحرار لم تبدد، بحسب مصادر الموقع، تحفظات قيادة الأصالة والمعاصرة. أما حجم التنازلات، وطبيعة الاعتراضات، وما إذا كان باب التفاوض قد أُغلق نهائياً، فتحتاج إلى معطيات إضافية قبل تحويلها إلى استنتاجات قاطعة.
والفارق هنا أن مغادرة حزب للأغلبية، إن تأكدت في الصيغة النهائية للحكومة، ستكون واقعة سياسية قابلة للتوثيق؛ أما القول إن الحزب أُخرج بقرار من طرف بعينه، أو إن تنازلات محددة رُفضت لأسباب معلومة، فيحتاج إلى أدلة تتجاوز التسريبات المنقولة عن مصادر غير مسماة.