من واجهة “الزواج” إلى شبهات الاستغلال الرقمي: حين تتحول المنصات إلى فضاءات رمادية تهدد الطفولة

0
112

في أحد المشاهد الرقمية التي تتكرر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي دون رقابة كافية، يظهر مقطع فيديو يُثير قلقًا واسعًا: شخص أجنبي في حديث مباشر مع من يُعتقد أنه يدير مكتبًا للزواج في المغرب، داخل سياق يبدو في ظاهره تفاوضًا أو وساطة اجتماعية، لكنه يخفي طبقات أكثر تعقيدًا وإثارة للريبة، خاصة مع ما رافقه من إشارات توحي بإمكانية استغلال قاصرات تحت غطاء “الزواج”.

هذا النوع من المحتوى، الذي يتسلل بهدوء إلى الفضاء الرقمي، لا يُقرأ فقط بوصفه مادة عابرة، بل بوصفه علامة على تحولات أعمق في أنماط الاستغلال الرقمي وإعادة إنتاج أشكال قديمة من الهشاشة الاجتماعية في قوالب جديدة. فحين تختلط الوساطة الاجتماعية بالتجارة غير المشروعة، وتُستعمل مفاهيم الزواج كغطاء لغموض قانوني وأخلاقي، يصبح السؤال أكبر من مجرد مقطع فيديو: أي حدود تفصل بين الوساطة الاجتماعية والاستغلال المقنّع؟

في هذا السياق، عبّرت منظمة ما تقيش ولدي عن قلق بالغ إزاء ما تم تداوله، معتبرة أن المؤشرات المرتبطة بالمقطع تستوجب التعامل معه باعتباره إنذارًا اجتماعيًا وأمنيًا لا مجرد محتوى رقمي عابر. المنظمة، التي تتابع ملفات حماية الطفولة، لم تكتف بالتعبير عن القلق، بل بادرت إلى توجيه مراسلة رسمية إلى السيد الوكيل العام لجلالة الملك لدى رئاسة النيابة العامة بالرباط، مطالبة بفتح تحقيق قضائي مستعجل، تحت إشراف الجهات المختصة، بهدف تحديد المسؤوليات والكشف عن جميع الأطراف المحتملة المتورطة في هذا الملف.

القضية هنا لا تتوقف عند حدود الاشتباه أو تداول الفيديو، بل تمتد إلى سؤال بنيوي أوسع يتعلق بكيفية تحوّل الفضاء الرقمي إلى مساحة قابلة لإعادة تشكيل أنماط الاستغلال، حيث يمكن أن تُخفى الانتهاكات خلف واجهات “خدمات” أو “وساطات” أو حتى “زواج تقليدي”. هذا التداخل بين القانوني والاجتماعي والرقمي يجعل من الصعب أحيانًا رسم خط واضح بين ما هو مشروع وما هو جريمة محتملة قيد التمويه.

ومن زاوية اجتماعية، يعيد هذا النوع من الوقائع طرح هشاشة بعض الفئات، وعلى رأسها القاصرات، أمام شبكات قد تستغل الفقر أو الجهل أو ضعف الوعي الرقمي، لتسويق ممارسات تتناقض مع كل الضمانات القانونية والحقوقية. وهو ما يجعل مسؤولية الحماية هنا متعددة الأطراف: الدولة، الأسرة، المجتمع المدني، وحتى المنصات الرقمية نفسها.

أما على المستوى القانوني، فإن أي شبهة تتعلق باستغلال القاصرين، سواء بشكل مباشر أو عبر التسهيل أو التحريض أو التغطية الشكلية، تندرج ضمن الجرائم الخطيرة التي تستوجب فتح تحقيقات دقيقة، لا تكتفي بالظاهر، بل تمتد إلى تفكيك الشبكات المحتملة والروابط غير المرئية التي قد تربط بين أطراف متعددة داخل أو خارج البلاد.

وتدعو المنظمة في هذا السياق الأسر المغربية إلى رفع مستوى اليقظة تجاه ما يستهلكه الأبناء على الفضاءات الرقمية، ومتابعة ما قد يبدو في الظاهر محتوى عادياً، بينما يخفي في عمقه رسائل أو ممارسات قد تشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة الأطفال.

وفي خلفية هذا الملف، يظل السؤال الأهم معلقًا: حين تتحول المنصات الرقمية إلى فضاءات رمادية بين التواصل والاستغلال، من يملك فعليًا القدرة على رسم حدود الحماية، ومن يراقب الخطوط التي قد تُمحى بصمت بين “الوساطة” و”الجريمة”؟