الاستقالة كقنبلة مؤسساتية: حين يتحول بيان المحامين إلى اختبار حقيقي لحدود الدولة والقانون

0
119

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر داخل المهن المنظمة، لا يكون النص الصادر مجرد بيان عابر أو رد فعل لحظي، بل يتحول إلى مساحة مكثفة تتقاطع فيها الرسائل الموجهة إلى الدولة، وإلى الرأي العام، وإلى القواعد المهنية نفسها. وهذا ما يجعل البيان الأخير الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب يتجاوز كونه موقفا مهنيا تقنيا، ليطرح نفسه كوثيقة ذات حمولة مؤسساتية وسياسية في آن واحد، تعكس حجم التحولات التي تعرفها العلاقة بين الجسم المهني والمؤسسة التشريعية.

منذ لحظة صدوره، انقسمت قراءات البيان بين اتجاهين رئيسيين: اتجاه رأى في التلويح بالاستقالات الجماعية تصعيدا قد يهدد توازن المؤسسة المهنية ويضعف حضورها داخل النقاش العمومي، واتجاه آخر اعتبر أن ما ورد فيه ليس سوى انعكاس مباشر لحالة الاحتقان المتصاعد المرتبط بمسار إعداد مشروع القانون المنظم للمهنة، وما رافقه من شعور متزايد لدى جزء واسع من المحامين بضعف التفاعل مع ملاحظاتهم ومطالبهم.

غير أن القراءة المتأنية لمضامين البيان تكشف أن الأمر لا يتعلق بإعلان قرار نهائي أو خطوة فورية نحو الاستقالة، بقدر ما يتعلق بإحالة الملف إلى مسار داخلي أوسع، يتمثل في الدعوة إلى عقد جموع عامة استثنائية داخل الهيئات المهنية، من أجل مناقشة مختلف السيناريوهات الممكنة، بما في ذلك خيار الاستقالات الجماعية. هذا التفصيل، الذي قد يبدو إجرائيا في ظاهره، يحمل في جوهره دلالة أساسية: نحن أمام انتقال من التعبير عن الاحتجاج إلى هندسة آليات ضغط مؤسساتي منظم.

في هذا السياق، تصبح “الاستقالة” أقل أهمية من كونها أداة رمزية داخل خطاب تفاوضي مفتوح. فالقيمة الحقيقية للبيان لا تكمن في ما يعلنه بشكل مباشر، بل في ما يلوّح به ضمنيا، أي الإشارة إلى أن منسوب الثقة بين المؤسسة المهنية والجهات المشرفة على إنتاج النصوص التشريعية قد بلغ مستوى حساسا، يستدعي إعادة ضبط قواعد الحوار وإعادة تقييم آليات التشاور.

كما أن اللجوء إلى الجموع العامة يعكس حرصا واضحا على عدم احتكار القرار داخل دوائر ضيقة، والعودة إلى القواعد المهنية باعتبارها مصدر الشرعية الأساسي. فهذه الآلية، رغم طابعها التنظيمي، تحمل بعدا ديمقراطيا داخليا يعيد توزيع النقاش داخل الجسم المهني، ويمنح للقرار المرتقب ثقلا جماعيا يتجاوز الحسابات الفردية أو الفئوية.

وفي المقابل، يكشف الجدل الذي أثاره البيان عن قلق متنام داخل بعض الأوساط من احتمال الوصول إلى مرحلة القطيعة أو الدخول في فراغ مؤسساتي قد ينعكس على سير منظومة العدالة. وهو قلق مفهوم بالنظر إلى حساسية موقع المحاماة داخل هذه المنظومة، غير أنه لا ينبغي أن يتحول إلى مقاربة تقليصية تُفرغ الهيئات المهنية من أدواتها الاحتجاجية المشروعة، لأن قوة هذه المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على الاستقرار، بل أيضا بقدرتها على التأثير والتفاوض والدفاع عن استقلاليتها.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصعيد بحد ذاته، بل في تحول المؤسسات المهنية إلى هياكل شكلية فاقدة لفاعليتها، تكتفي بالتعليق على القرارات بدل المساهمة في صياغتها. ومن هنا يبرز السؤال الأعمق الذي يتجاوز هذا النقاش الظرفي: كيف يتم إنتاج التشريع المرتبط بالمهن الحساسة؟ وهل نحن أمام نموذج قائم على شراكة فعلية مع الهيئات المعنية، أم أن منطق الأغلبية العددية داخل المسار التشريعي أصبح كافيا لتمرير نصوص تمس توازنات دقيقة داخل المجتمع؟

بهذا المعنى، لا يبدو البيان الأخير حدثا معزولا، بل حلقة ضمن نقاش أوسع حول موقع الهيئات المهنية داخل هندسة القرار العمومي، وحدود قدرتها على التأثير في السياسات التشريعية التي تمس مجال اشتغالها المباشر. فالمحاماة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مهنة منظمة تدافع عن مصالح فئوية، بل عنصر بنيوي داخل منظومة العدالة، وأي خلل في توازنها ينعكس بالضرورة على توازن هذه المنظومة ككل.

وفي ضوء ذلك، تبدو اللحظة الحالية لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لمدى تماسك الجسم المهني، بل أيضا لمدى نضج آليات تدبير الخلاف داخل الفضاءات المؤسساتية. فبين من يرى في التصعيد ضرورة لحماية الاستقلال، ومن يخشى من تداعياته على الاستقرار، تظل الحقيقة الأعمق أن مستقبل هذا النقاش لن يُحسم فقط داخل النصوص، بل داخل القدرة على إعادة بناء الثقة بين الفاعلين، وإعادة تعريف حدود الشراكة في صناعة القرار.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا على نحو مقصود: هل نحن أمام مرحلة جديدة من إعادة التوازن داخل العلاقة بين التشريع والمهن المنظمة، أم أمام بداية إعادة تشكيل أعمق لدور الوسائط المهنية داخل دولة القانون؟