0
78

في قضية بدأت بأوراق انتخابية داخل مكتب للتصويت بطنجة، وصل حزب الأصالة والمعاصرة إلى النقطة التي يصبح فيها الكلام السياسي أقل أهمية من السؤال الذي ستجيب عنه التحقيقات: من أين جاءت تلك الأوراق، وكيف وصلت إلى المكان الذي ضُبطت فيه، ومن يتحمل مسؤولية ما وقع؟

القيادة الجماعية للحزب اختارت، صباح الاثنين، ألا تقدم جواباً سياسياً مسبقاً. في بلاغها، رحبت بما وصفته بـ«المسار الجدي والمسؤول» الذي اتخذه البحث، وربطت أي مسؤولية حزبية بما ستنتهي إليه التحقيقات القضائية والإدارية. وقالت بوضوح إن الحزب مستعد لتحمل مسؤولياته التنظيمية والسياسية إذا أثبتت النتائج النهائية وجود صلة لأي من أعضائه أو مسؤوليه بالقضية.

هذه الصياغة مهمة في حد ذاتها، لأنها تضع فاصلاً بين ما هو ثابت الآن وما قد تكشفه المسطرة لاحقاً. فوجود قضية انتخابية قيد التحقيق شيء، وإثبات مسؤولية أشخاص بعينهم شيء آخر. والحزب، في بلاغه، لم يعلن إدانة أحد، كما لم يمنح أحداً براءة سياسية قبل انتهاء البحث.

لكن توقيت البلاغ يضيف طبقة أخرى إلى القصة.

ففي الوقت نفسه الذي كانت فيه القيادة الجماعية تتحدث عن ترتيب المسؤوليات على ضوء نتائج التحقيق، كانت قضية طنجة قد دخلت مرحلة أكثر حساسية بعد ورود اسم منير ليموري، عمدة طنجة والأمين الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة، في سياق الأبحاث المرتبطة بالملف. وكانت وسائل إعلام عدة قد تحدثت عن مذكرة بحث في حقه، وعن مغادرته التراب الوطني، بينما لم يكن هناك، عند نشر تلك المعطيات، بلاغ قضائي منشور يفصل بشكل كامل في طبيعة هذه الإجراءات وتفاصيلها.

وهنا ينبغي التوقف عند الفرق بين المعلومة القضائية المؤكدة وبين ما تداولته مصادر إعلامية.

المؤكد أن النيابة العامة في طنجة فتحت بحثاً قضائياً حول الوقائع المرتبطة بالأوراق الانتخابية، وأن أربعة أشخاص أحيلوا على قاضي التحقيق مع طلب إيداعهم رهن الاعتقال الاحتياطي، وفق ما أوردته وسائل إعلام نقلاً عن بلاغ الوكيل العام للملك. كما أن النيابة العامة أعلنت حرصها على استكمال البحث والكشف عن جميع الأشخاص الذين قد تكشف الأبحاث عن تورطهم، أياً كانت صفاتهم أو مواقعهم.

أما نسبة المسؤولية إلى أي شخص بعينه، فتظل مرتبطة بما ستنتهي إليه الأبحاث وما ستقرره المؤسسات القضائية.

وهذا بالضبط هو الخط الذي حاول «البام» أن يرسمه في بلاغه.

الحزب يقول إنه سبق أن اتخذ إجراءات تنظيمية وسياسية في حق أعضاء اعتبر أن سلوكهم مس بقيمه أو بمشروعه السياسي، ويقول إنه مستعد للقيام بالأمر نفسه في ملف طنجة إذا أظهرت التحقيقات أن الحزب أو أحد أعضائه معني بما جرى. هذه ليست لغة دفاع عن شخص بعينه، ولا هي إعلان انسحاب من المسؤولية؛ إنها إحالة للمسؤولية الحزبية على نتيجة المسطرة.

غير أن المشكلة بالنسبة إلى الحزب لا تتعلق فقط بمن ستوجه إليه المسؤولية القضائية في النهاية. هناك أيضاً سؤال التنظيم.

فالوقائع جرت داخل عملية انتخابية كان الحزب طرفاً فيها، واسم مسؤول إقليمي للحزب ظهر في سياق الأبحاث المتداولة حول الملف. والأهم أن منير ليموري كان، قبل الانتخابات، الأمين الإقليمي للحزب بطنجة-أصيلة ورئيس مجلس جماعة طنجة، كما ظهر اسمه في أنشطة الحزب التحضيرية للانتخابات. ففي اجتماع حزبي عقد يوم 14 شتنبر، أي قبل الاقتراع بأيام، ترأس ليموري اجتماعاً تحضيرياً بطنجة خصص للاستعداد للاستحقاق الانتخابي، بحضور وكيل اللائحة المحلية ومسؤولين ومنتخبين آخرين.

هذا السياق لا يثبت، في حد ذاته، أي تورط في الواقعة موضوع التحقيق. لكنه يجعل سؤال المسؤولية التنظيمية أكثر تعقيداً من سؤال المسؤولية الجنائية.

فالمسؤولية الجنائية تحتاج إلى أدلة ومساطر وقضاء. أما المسؤولية التنظيمية فتتصل أيضاً بطريقة تدبير الحملة، وبالاختيارات الداخلية، وبمدى احترام القواعد التي يضعها الحزب لنفسه. ولهذا يبدو أن القيادة الجماعية تركت الباب مفتوحاً أمام المستويين معاً: القضاء سيحدد ما وقع ومن يتحمل المسؤولية القانونية، والمؤسسات الحزبية ستنظر بعد ذلك في الأثر التنظيمي والسياسي لما ستكشفه التحقيقات.

وهذه النقطة تنسجم، على الأقل من حيث الخطاب المعلن، مع ما سبق أن شدد عليه الحزب في بنيته التنظيمية. فحزب الأصالة والمعاصرة تحدث في مناسبات سابقة عن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعن اعتبار المسؤولية الحزبية تكليفاً يخضع للتقييم والمراقبة. كما أعلن في مرحلة الإعداد للانتخابات التشريعية أن مبدأ المحاسبة ينبغي أن يرتبط بالمسؤولية السياسية والحكومية.

الاختبار الآن أكثر مباشرة.

لأن الحديث عن «ربط المسؤولية بالمحاسبة» يبقى مبدأ عاماً إلى أن تظهر أمام الحزب حالة محددة تضعه أمام ضرورة الاختيار بين حماية التنظيم، وانتظار القضاء، وترتيب الآثار السياسية والتنظيمية لما تكشفه التحقيقات.

وفي طنجة، لم تعد القضية مجرد واقعة حدثت داخل مكتب للتصويت وانتهت عند تدخل السلطات. الأبحاث توسعت، وأصبح الملف أمام القضاء، وبدأت موازاته الإدارية تثير اهتمام السلطات. فقد تحدثت مصادر إعلامية عن لجنة مركزية تابعة لوزارة الداخلية حلت بطنجة للتحقيق في الملابسات الإدارية المرتبطة بالواقعة.

وفي المقابل، ظهرت أيضاً روايات إعلامية متعارضة حول تفاصيل الملف، من بينها معطيات بشأن شكاية تقدم بها الحزب ضد أحد الأشخاص الذين كشفوا الواقعة، ثم تحدثت تقارير عن حفظ تلك الشكاية. وهي تفاصيل تحتاج بدورها إلى التمييز بين ما صدر عن مؤسسة قضائية بشكل رسمي وما نقلته وسائل الإعلام عن مصادرها.

لذلك، فإن أكثر ما يستحق المتابعة في الأيام المقبلة ليس فقط أسماء الأشخاص الذين قد ترد أسماؤهم في التحقيقات، وإنما كيفية انتقال الملف من المستوى القضائي إلى المستوى الحزبي.

هل ستظل القيادة الجماعية عند قاعدة انتظار نتائج التحقيق؟ وهل ستكتفي، إذا ثبتت مسؤولية فردية، بإجراء تنظيمي في حق المعني بالأمر؟ أم أن طبيعة ما قد تكشفه الأبحاث يمكن أن تطرح أسئلة أوسع حول تدبير الحملة الانتخابية في طنجة؟

لا توجد، في المعطيات المنشورة حالياً، إجابة تسمح بالحسم في أي من هذه الاحتمالات.

لكن هناك حقيقة سياسية وتنظيمية قائمة: حزب الأصالة والمعاصرة أعلن بنفسه أنه سيقبل بنتائج التحقيقات، وأنه سيرتب مسؤولياته إذا ثبتت صلة أحد أعضائه أو مسؤوليه بالقضية.

من هنا تصبح العبارة التي تبدو إجرائية في بلاغ الحزب قابلة للقياس لاحقاً. فالقضية لم تعد فقط اختباراً للتحقيق القضائي في واقعة أوراق انتخابية، وإنما ستكشف أيضاً كيف يتعامل تنظيم سياسي مع مسؤولية أعضائه عندما تنتقل الشبهة من فضاء التداول السياسي إلى فضاء البحث القضائي.

والفصل في ذلك لن يكون ببلاغ جديد، وإنما بما سيفعله الحزب عندما تصبح نتائج التحقيقات متاحة.