الصمت المُدوّي للنخبة المغربية… لكن ماذا فعلتم أنتم لبناء الصحافة التي تطالبونها بالدفاع عن المغرب؟

0
86

تغريدة لحسن حداد، نائب رئيس مجلس المستشارين والوزير السابق، التي يسأل فيها عن صمت المثقفين والوزراء والبرلمانيين والصحافيين والجامعيين ورجال الأعمال وباقي النخب المغربية عندما يتعرض المغرب للهجوم أو التشويه في الخارج، تستحق أن تؤخذ بجدية. ليس لأنها تقول شيئاً جديداً عن الحاجة إلى الدفاع عن صورة المغرب، وإنما لأنها تفتح سؤالاً أكثر إحراجاً من السؤال الذي طرحته: ماذا فعلت النخبة نفسها، حين كانت تملك موقعاً ومسؤولية وقراراً، لبناء البيئة التي تسمح لهذه الأصوات بأن تكون موجودة ومؤثرة؟

السيد حداد يعرف، بحكم تجربته الحكومية والبرلمانية، أن الصحافة التي يتحدث عنها لا تولد من التغريدات ولا من الرغبة الوطنية وحدها. تحتاج إلى مؤسسة، وموارد بشرية، ومعدات، وتكوين، وترجمة، وتوزيع، ومنصات رقمية، واستمرارية مالية، والأهم إلى مشروع يمتد لسنوات. الصحافي يستطيع أن يكتب مقالاً، وأن يفضح اختلالاً، وأن يفكك خطاباً معادياً للمغرب، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني مؤسسة إعلامية دولية من لا شيء. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي تطرحه تغريدته على صاحبها قبل أن تطرحه على الآخرين: كيف يمكن أن نطالب الصحافي بأن يخوض معركة السرديات إذا كنا لا نبني المؤسسات التي تمكنه من خوضها؟

هذه ليست مسألة نظرية بالنسبة إلينا. منذ سنوات، حاولنا أن نضع أمام عدد من الفاعلين، ومن بينهم السيد حداد، مشروع «الدبلوماسية المغربية» كمؤسسة إعلامية متخصصة في قضايا الدبلوماسية والسياسة والعلاقات الدولية، تشتغل بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وتستهدف القارئ المغربي والدولي في آن واحد. تواصلنا، وعرضنا المشروع، واجتمعنا، وطرحنا فكرة الاستثمار والشراكة، لأننا كنا نعتقد أن هذا النوع من الإعلام يمكن أن يكون جزءاً من القوة الناعمة للمغرب. لم يحدث ذلك، ولم يتحول المشروع إلى شراكة. وهذه الواقعة لا تقدم نفسها هنا كشكوى شخصية، ولا باعتبار أن شخصاً معيناً كان ملزماً بتمويل مؤسسة بعينها، وإنما باعتبارها مثالاً بسيطاً على الفجوة بين الخطاب الذي يطالب بوجود إعلام مؤثر دولياً، والواقع الذي تواجه فيه المؤسسات التي تحاول إنتاج هذا الإعلام صعوبات الاستمرار.

فالصحافي المغربي يجد نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: يُطلب منه أن يكون حاضراً في معركة صورة المغرب، وأن يحقق وينتج ويكتب ويترجم ويواكب الأحداث ويواجه الحملات، ثم يُترك في النهاية أمام السؤال الاقتصادي البسيط: من سيمول هذا العمل؟ الدولة تضع شروطاً للاستفادة من الدعم، وهذا أمر مفهوم، لأن المال العمومي لا يمكن أن يوزع بلا معايير. لكن إذا كانت المؤسسة الصحافية مطالبة بأن تثبت مهنيتها وإنتاجها وحضورها وانتظامها وعدد موادها ومواردها البشرية وغيرها، فلماذا لا يصبح الإنتاج الفعلي والاستمرارية والتخصص والتعدد اللغوي والوصول إلى الجمهور الخارجي جزءاً واضحاً من معايير تقييم المؤسسات التي يُراد لها أن تمثل إحدى أدوات الإشعاع المغربي؟

المفارقة أن الصحافة الرقمية جعلت عملية التحقق من ذلك ممكنة أكثر من أي وقت مضى. يمكن لأي لجنة أن تدخل إلى موقع مؤسسة إعلامية، وتعود إلى أرشيفه، وتعرف منذ متى يشتغل، وكم ينتج، ومن يكتب، وما طبيعة المواضيع التي يغطيها، وهل له حضور حقيقي أم أن الموقع مجرد واجهة أُنشئت للحصول على صفة قانونية أو إدارية. يمكن أيضاً قياس الحضور الدولي، واللغات، ونوعية الإنتاج، والاستمرارية، والتخصص، والتفاعل. فلماذا لا ننتقل إذن من منطق التعامل مع الصحافة باعتبارها مجرد ملفات إدارية إلى منطق تقييم القيمة الإعلامية والاستراتيجية التي تنتجها المؤسسة فعلياً؟

نحن لا نتحدث هنا عن مؤسسة واحدة. «المغرب الآن»، ومجلة «الدبلوماسية»، والمشاريع الإعلامية والثقافية التي اشتغلنا عليها بلغات متعددة، كلها خرجت من قناعة بأن المغرب يحتاج إلى إعلام لا ينتظر الأزمة حتى يتحدث، بل يبني المعرفة قبل الأزمة. نحن نكتب، ونترجم، ونحلل، ونفتح الملفات، ونخاطب القارئ بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ونحاول أن نبني أرشيفاً من المادة المغربية القابلة للوصول إليها خارج المغرب. وهذا العمل لم يكن بالنسبة إلينا وظيفة موسمية مرتبطة بحدث أو حملة؛ كان مشروعاً مهنياً ووطنياً نحاول أن نحمله بموارد محدودة، وفي كثير من الأحيان من إمكاناتنا الخاصة.

لذلك، حين يقول السيد حداد إن النخبة المغربية مطالبة بالخروج من دوائرها المغلقة والدخول إلى معركة السرديات الدولية، فإننا نريد أن نضع أمامه مجموعة أسئلة، لا أن نوجه إليه موعظة. ماذا فعلتم، السيد حداد، من مواقع المسؤولية التي شغلتموها، لبناء صحافة قادرة على القيام بهذا الدور؟ ماذا قدمتم عندما كنتم وزيراً؟ وماذا قدمتم اليوم وأنتم نائب لرئيس مجلس المستشارين؟ وهل ناقشتم داخل المؤسسة التشريعية واقع المقاولات الصحافية التي تحاول أن تشتغل خارج النموذج الإعلامي التقليدي؟ وهل سألتم الحكومة عن المؤسسات التي تنتج محتوى متعدد اللغات وتشتغل على القضايا الدولية؟ وهل طالبتم بسياسة إعلامية تمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، بدل أن ننتظر كل أزمة ثم نبحث عن صحافيين للرد عليها؟

وهذا السؤال لا يخص حداد وحده. يخص الأحزاب التي تتحدث عن الوطنية ولا ترى في الإعلام الاستراتيجي مجالاً للاستثمار، ورجال الأعمال الذين يعرفون كيف يستثمرون في قطاعات كثيرة ولا يرون الإعلام جزءاً من القوة الاقتصادية والسياسية للمغرب، والمؤسسات العمومية التي يمكن أن تساهم في بناء منظومة إعلامية قادرة على التنافس خارج الحدود. فالدول التي تفكر في قوتها الناعمة لا تنتظر أن تقع الأزمة لكي تبحث عن متحدثين؛ تبني جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات إعلامية وشبكات خبراء ومنصات متعددة اللغات قبل أن تحتاج إليها.

والمغرب، إذا كان يريد فعلاً أن ينتقل من الدفاع عن صورته إلى صناعة صورته، يحتاج إلى هذا النوع من التفكير الطويل. يحتاج إلى استراتيجية إعلامية وطنية لا تعني إعلاماً حكومياً، ولا تعني توجيه الصحافيين، ولا تعني إلغاء استقلال المؤسسات؛ بل تعني بناء قطاع إعلامي قوي، مهني، متنوع، قادر على الاستثمار في التحقيق والتحليل والترجمة والتكوين والانتشار الدولي. ويمكن أن تدخل في هذه الرؤية برامج لتكوين الصحافيين في الصحافة الدولية، وفي القانون الدولي، والاقتصاد، والدبلوماسية، واللغات، وإدارة المنصات الرقمية، بل وحتى إنشاء مدارس ومراكز متخصصة في صناعة المحتوى الموجه إلى الخارج.

نحن، في المقابل، لا نطلب شكراً ولا أجراً مقابل ما فعلناه. ولا نقول إن الدولة مطالبة بأن تمولنا لأننا نكتب عن المغرب. ما نقوله أبسط وأعمق: إذا كان المغرب يحتاج إلى هذه الصحافة، فعليه أن يعرف كيف يبنيها ويحمي شروط وجودها ويقيم أداءها بمعايير مهنية واضحة. وإذا كانت هناك مؤسسات تستحق الدعم، فليكن الدعم على أساس الإنتاج والاستمرارية والجودة والتخصص والتعدد اللغوي والأثر، لا على أساس العلاقات ولا الولاءات ولا القرب من مراكز القرار.

وهنا تصبح تغريدة حداد مناسبة لفتح نقاش وطني حقيقي. لأن المشكلة ليست أن المغرب يفتقد صحافيين وكتاباً وباحثين قادرين على الكلام. المشكلة أن كثيراً ممن يريدون أن يتكلموا لا يملكون دائماً المؤسسات التي تمنحهم القدرة على الاستمرار، فيما المؤسسات التي تحاول بناء هذا الحضور تجد نفسها مطالبة بإثبات وجودها قبل أن تحصل على الوسائل التي تمكنها من تطويره.

لذلك، قبل أن نسأل: لماذا يصمت الصحافيون؟ ربما ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر عدلاً: لماذا لا نبني لهم المؤسسات التي تجعل كلامهم مسموعاً؟

وقبل أن نطالب النخبة المغربية بالدخول في معركة السرديات، ينبغي أن نضع أمام المسؤولين سؤالاً آخر، أكثر قسوة: أين هي الاستراتيجية الوطنية التي ستجعل هذه المعركة مستمرة لعشرين أو ثلاثين سنة، لا مجرد رد فعل بعد كل أزمة؟

فالوطنية لا تُقاس فقط بعدد الذين يتحدثون عندما تقع الواقعة، وإنما أيضاً بعدد الذين فكروا قبل وقوعها، وبنوا المؤسسات، ووضعوا الخطط، واستثمروا في الإنسان والإعلام والمعرفة، حتى لا يبدأ المغرب كل مرة من الصفر.