البواري: شراكة “صوديا وصوجيطا”… استثمارات بـ15.4 مليار درهم وامتحان التنفيذ على أرض الواقع

0
109

في قراءة حكومية لأحد أكبر نماذج تدبير أراضي الدولة الفلاحية، كشف وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عن حصيلة مالية واستثمارية بارزة في إطار الشراكة بين الدولة وشركتي “صوديا” و”صوجيطا”. الأرقام المعلنة تعكس دينامية استثمارية بحوالي 15.4 مليار درهم، بنسبة إنجاز بلغت 85 في المائة من الالتزامات التعاقدية، في نموذج يقوم على الكراء طويل الأمد بدل التفويت النهائي، ويستهدف إعادة هيكلة استغلال أراضي الدولة ضمن مقاربة إنتاجية موجهة.

وتقوم هذه الصيغة التعاقدية، كما أوضح الوزير، على تعبئة أراضي الدولة التي كانت تسيرها الشركتان في إطار الملك الخاص للدولة، عبر منحها للمستثمرين في شكل كراء يمتد بين 17 و40 سنة حسب طبيعة المشروع. ويُفترض أن يتم إسناد هذه الأراضي عبر طلبات عروض، وفق دفاتر تحملات دقيقة تعتمد معايير مرتبطة بكفاءة المستثمر، واندماج المشروع، وحجم الاستثمار، وقدرته على خلق فرص الشغل، ما يجعل العملية مؤطرة قانونياً ومبنية على منافسة منظمة.

ووفق المعطيات الرسمية، بلغت المساحات التي تم تعبئتها في هذا الإطار 120.529 هكتارا، موزعة على 1776 مشروعاً، من بينها 800 مشروع صغير نسبياً تقل مساحته عن 10 هكتارات في الأراضي البورية، و5 هكتارات في المناطق المسقية، على مساحة إجمالية تقارب 2624 هكتارا ضمن هذا الصنف. ويصل الاستثمار الإجمالي المرتقب إلى 24.24 مليار درهم، مع توقع إحداث أكثر من 73 ألف فرصة عمل، ما يعكس رهانا حكومياً على جعل الأراضي المؤجرة رافعة لتمويل الإنتاج وتشغيل اليد العاملة.

غير أن القراءة المتأنية للأرقام تكشف أيضاً عن تباين بين الالتزامات الأولية وحجم الإنجاز الفعلي، إذ تم ضخ 15.4 مليار درهم فقط من أصل الاستثمارات المقررة، ما يفتح النقاش حول وتيرة التنفيذ وفعالية آليات المتابعة والمراقبة. فالتحول من تعاقد نظري إلى إنجاز ميداني يظل المؤشر الحاسم لنجاح هذا النموذج.

وعلى مستوى الإنجازات القطاعية، شملت المشاريع الممولة تجهيز 44.700 هكتار بنظام الري الموضعي، مع إنشاء 677 حوضاً لتخزين المياه بسعة إجمالية تصل إلى 25 مليون متر مكعب، في مؤشر على محاولة التكيف مع إكراهات ندرة الموارد المائية. كما تم تزويد الضيعات بـ6000 وحدة من المعدات والآليات، تشمل 1575 جراراً، و2200 آلة لنثر البذور، و1360 آلة لرش المبيدات، في إطار تحديث وسائل الإنتاج ورفع الإنتاجية.

وفي ما يتعلق بالجانب الشجري والزراعات ذات القيمة المضافة، جرى غرس 46 ألف هكتار من الأشجار المثمرة، بين الحوامض والزيتون والكروم، إضافة إلى إنشاء 1.926 هكتارا من البيوت المغطاة. أما في قطاع تربية المواشي، فقد تم اقتناء 34 ألف رأس من الأبقار والأغنام والماعز، مع بناء 213 إسطبلاً حديثاً و135 وحدة لتربية الدواجن، في مؤشر على تنويع الاستثمار بين الإنتاج النباتي والحيواني.

ولم تقتصر الحصيلة على الإنتاج الأولي، بل امتدت إلى حلقات التثمين، عبر إرساء 132 وحدة حديثة، منها 45 وحدة للتوضيب، و31 وحدة لعصر الزيتون، و23 وحدة للتبريد، ما يعكس توجهاً نحو دمج سلسلة القيمة داخل نفس المنظومة الاستثمارية بدل تصدير المواد الخام فقط.

أما على مستوى التشغيل، فقد تم خلق 45 ألف منصب شغل، موزعة بين 860 مهندساً، و1900 تقني، و8490 عاملاً دائماً، إضافة إلى 33.710 عمال مؤقتين، وهو توزيع يكشف أن الجزء الأكبر من التشغيل ما يزال مرتبطاً بطابع موسمي أو غير قار، ما يطرح سؤال استدامة هذه الوظائف على المدى المتوسط والبعيد.

في المقابل، يقرّ الجواب الحكومي بوجود مشاريع متعثرة لأسباب تقنية أو مرتبطة بندرة المياه أو تقلبات السوق، ما استدعى تفعيل آليات التتبع عبر اللجان الجهوية تحت إشراف وكالة التنمية الفلاحية. وقد تم إنجاز 126 مهمة تتبع سنة 2025، مع توجيه إنذارات للشركاء غير الملتزمين، في إطار تطبيق صارم لدفاتر التحملات.

وفي حال استمرار الإخلال بالالتزامات دون مبررات موضوعية، يتم اللجوء إلى فسخ الاتفاقيات وإعادة تعبئة الأراضي المعنية عبر طلبات عروض جديدة. ووفق المعطيات المعلنة، تمت إعادة تعبئة ما يقارب 2000 هكتار بعد فسخ بعض الاتفاقيات، ما يشير إلى أن الدولة تحتفظ بأداة تصحيحية عند تعثر المشاريع.

وبين الأرقام الاستثمارية الطموحة وآليات المراقبة والتعديل، يبقى التحدي الحقيقي مرتبطاً بمدى تحويل هذه المؤشرات إلى إنتاج فعلي مستدام، وإلى أثر ملموس على الأمن الغذائي المحلي وتنمية المناطق القروية، بعيداً عن المقاربة الرقمية الصرفة التي لا تعكس دائماً واقع التنفيذ الميداني.