من يبني المغرب… ومن يهرب منه؟ حكاية وطن تتقدم أرقامه وتتعثر أحلام شبابه على شواطئ الفنيدق

0
89

لم يكن المشهد الذي عاشته سواحل الفنيدق في الأيام الأولى من صيف 2026 مجرد حادث حدودي عابر أو محاولة جديدة للهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة. كان، في جوهره، مشهداً يختزل مفارقة مغربية عميقة يصعب اختزالها في أرقام النمو الاقتصادي أو نسب الاستثمار أو التقارير الرسمية التي تتحدث عن تحسن المؤشرات الكبرى. فبينما تتحدث الدولة عن مشاريع البنيات التحتية العملاقة، وتطوير المنظومة التعليمية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، واستضافة أكبر التظاهرات الرياضية العالمية، وإطلاق أوراش ثقافية وتنموية غير مسبوقة، كان مئات القاصرين والشباب والرجال والنساء يتطلعون إلى الضفة الأخرى من البحر باعتبارها خلاصاً فردياً من واقع لم يعد كثيرون قادرين على التعايش معه.

في الفنيدق لم يكن البحر مجرد مساحة مائية تفصل المغرب عن سبتة، بل تحول إلى مرآة اجتماعية عاكسة لما يعتمل داخل المجتمع المغربي من أسئلة مؤجلة. عشرات القاصرين الذين ألقوا بأنفسهم في المياه لم يكونوا يحملون مشاريع سياسية، ولم يخرجوا للاحتجاج في الشوارع، ولم يرفعوا شعارات ضد الدولة أو الحكومة. كانوا فقط يركضون خلف حلم شخصي غامض اسمه “العبور”. وهذا بالضبط ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيداً وخطورة؛ لأن الأمر لا يتعلق بصراع سياسي مباشر، بل بأزمة ثقة صامتة بين جزء من المجتمع وبين المستقبل الذي يراه أمامه.

لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى فضاءات ضخمة لإنتاج صورة مثالية عن الحياة الأوروبية. لم يعد الشاب المغربي يقارن وضعه بما كان عليه قبل عشر سنوات، بل يقارنه يومياً بما يشاهده على هاتفه من أنماط استهلاك وحياة وفرص في الضفة الشمالية للمتوسط. وهنا تظهر إحدى الإشكالات الكبرى التي لا تعكسها المؤشرات الاقتصادية التقليدية. فقد يتحسن الاقتصاد الوطني بالفعل، وقد ترتفع الاستثمارات الأجنبية، وقد تتوسع البنيات التحتية، لكن شعور الأفراد بوجود فرصة حقيقية للترقي الاجتماعي قد يتراجع في الوقت نفسه إذا كانوا لا يرون أنفسهم مستفيدين بشكل مباشر من هذه التحولات.

المفارقة الأكثر إثارة أن المغرب أصبح خلال السنوات الأخيرة وجهة جاذبة للمهاجرين الأفارقة ولعدد متزايد من المستثمرين والأجانب والمتقاعدين الأوروبيين. مدن مثل طنجة والرباط ومراكش والدار البيضاء أصبحت تستقطب فئات تبحث عن فرص اقتصادية أو عن جودة حياة أفضل. غير أن هذا النجاح نفسه يطرح سؤالاً مقلقاً: كيف يمكن لبلد يتحول إلى أرض جذب للآخرين أن يستمر في الوقت ذاته في فقدان جزء من أبنائه الذين يرون مستقبلهم خارج حدوده؟

الجواب لا يكمن فقط في الاقتصاد. فالهجرة لم تعد مرتبطة حصراً بالفقر كما كان الحال في العقود السابقة. كثير من الذين يحاولون المغادرة اليوم لا ينتمون إلى الفئات الأكثر هشاشة. بعضهم يملك تعليماً جيداً، وآخرون ينتمون إلى أسر مستقرة نسبياً. ما يدفعهم ليس الجوع بالضرورة، بل الإحساس بأن سقف الأحلام أصبح منخفضاً مقارنة بما يشاهدونه في أماكن أخرى. إنها أزمة توقعات أكثر منها أزمة بقاء.

في حالة القاصرين تحديداً تتضاعف خطورة الظاهرة. فحين يصبح طفل أو مراهق مستعداً للمخاطرة بحياته في البحر، فإن السؤال لا يجب أن يتوقف عند نجاح الأجهزة الأمنية في منعه أو فشلها في ذلك. السؤال الحقيقي هو: ما الذي يجعله يعتقد أن المخاطرة بالغرق أقل خطراً من البقاء حيث هو؟ هنا تنتقل القضية من المجال الأمني إلى المجال الاجتماعي والتربوي والنفسي والثقافي.

ولا يمكن تجاهل أن مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة لسبتة عاشت تحولات اقتصادية مؤلمة بعد إغلاق التهريب المعيشي الذي كان يشكل لعقود مصدر دخل لآلاف الأسر. صحيح أن الدولة أطلقت برامج بديلة واستثمارات جديدة، لكن الانتقال من اقتصاد غير مهيكل إلى اقتصاد حديث ومنظم يحتاج زمناً أطول مما تحتمله أحياناً الفئات الاجتماعية المتضررة. وبين زمن الإصلاح وزمن الحاجة اليومية تتولد فجوات تدفع البعض إلى البحث عن حلول فردية خارج الحدود.

سياسياً، تضع هذه المشاهد الحكومة أمام معضلة حقيقية. فمن جهة، توجد مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن نسبي في معدلات النمو والاستثمار وتطور قطاعات استراتيجية عديدة. ومن جهة أخرى، تستمر صور الهجرة الجماعية ومحاولات العبور في الظهور بشكل دوري، وكأنها تقدم رواية مختلفة عن تلك التي تعرضها الأرقام. والحقيقة أن الروايتين ليستا بالضرورة متناقضتين. فقد يكون الاقتصاد في طور النمو فعلاً، لكن ثمار هذا النمو لم تصل بعد بالسرعة الكافية إلى شرائح واسعة من المجتمع، أو لم تنجح المؤسسات في تحويلها إلى شعور جماعي بالأمل والثقة.

أما على المستوى الثقافي، فإن الحدث يكشف أزمة أعمق تتعلق بصورة النجاح نفسها داخل المجتمع. فحين يصبح النجاح مرادفاً للمغادرة، وحين تتحول الهجرة إلى مشروع حياة جماعي تتناقله الأجيال، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بسوق الشغل أو بالسياسات العمومية، بل بمنظومة رمزية كاملة تحتاج إلى مراجعة. فالأمم لا تبنى فقط بالموانئ والطرق السريعة والملاعب والمصانع، بل أيضاً بإقناع مواطنيها بأن مستقبلهم يمكن أن يتحقق داخلها.

ولهذا فإن ما جرى في الفنيدق ليس خبراً صيفياً عابراً، ولا مجرد عملية أمنية على الحدود. إنه إنذار اجتماعي وسياسي وثقافي يستحق القراءة العميقة. لأن الدولة التي تنجح في بناء الجسور والطرق والمشاريع الكبرى مطالبة أيضاً ببناء الجسر الأصعب: جسر الثقة بين المواطن ومستقبله.

ويبقى السؤال الذي يطفو فوق مياه الفنيدق أكثر ثقلاً من كل الأرقام والتقارير: إذا كان المغرب ينجح اليوم في جذب العالم إليه، فلماذا لا يزال جزء من شبابه مقتنعاً بأن مستقبله يوجد دائماً في مكان آخر؟