حين يفرض القانون احترام النص: المركز السينمائي المغربي يعيد الاعتبار لكتاب السيناريو في معركة الحقوق داخل صناعة السينما

0
80

في سياق التحولات التي يشهدها قطاع السينما في المغرب، أعلن المركز السينمائي المغربي عن اعتماد إجراء تنظيمي جديد يربط الاستفادة من الدعم العمومي للإنتاج السينمائي الوطني بضرورة التحقق من تقييد العقود المبرمة بين شركات الإنتاج وكتاب السيناريو في السجلات القانونية المختصة. القرار، الذي سيدخل حيز التنفيذ ابتداء من أول دورة للدعم خلال سنة 2026، يبدو في ظاهره إجراءً تقنياً بسيطاً، لكنه في عمقه يعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقة المهنية والحقوقية داخل الصناعة السينمائية المغربية، حيث ظل موقع كاتب السيناريو لسنوات طويلة الحلقة الأضعف في منظومة الإنتاج.

المعطى الجديد يتمثل في اشتراط تطابق المعلومات المتعلقة بمؤلف السيناريو، كما تُصرّح بها شركات الإنتاج عبر المنصة الرقمية الخاصة بطلبات الدعم، مع البيانات المسجلة مسبقاً في السجل الوطني للسينما أو في السجل العمومي المرتبط بتقييد العقود، وذلك في إطار مقتضيات القانون رقم 70.17 المتعلق بتنظيم بعض الجوانب المهنية المرتبطة بالصناعة السينمائية. هذا الشرط يعني عملياً أن أي مشروع سينمائي يسعى للحصول على دعم عمومي قبل الإنتاج سيكون ملزماً بإثبات وجود عقد قانوني موثق بين شركة الإنتاج وصاحب السيناريو، وهو ما يضع حداً لممارسات كانت شائعة في بعض الحالات، حيث يتم استغلال النصوص أو تعديلها أو حتى تغيير أصحابها دون ضمانات قانونية واضحة.

من زاوية أوسع، يندرج هذا القرار ضمن مسار إصلاحي أطلقه المشرّع المغربي عبر القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي، وهو قانون يسعى إلى تحديث بنية القطاع وجعله أكثر شفافية واحترافية. غير أن القراءة التحليلية لهذا الإجراء تكشف أيضاً عن تحوّل في فلسفة تدبير الدعم العمومي نفسه، إذ لم يعد يُنظر إلى الدعم فقط كآلية تمويل للإنتاج، بل كأداة لتنظيم العلاقات المهنية داخل القطاع، وضمان احترام حقوق الملكية الفكرية والإبداعية.

فعلى مدى سنوات، اشتكى عدد من كتاب السيناريو في المغرب من غياب إطار واضح يضمن حقوقهم داخل سلسلة الإنتاج السينمائي، حيث غالباً ما تتركز القوة التفاوضية في يد شركات الإنتاج أو المخرجين، بينما يبقى المؤلف، رغم كونه صاحب الفكرة والبنية السردية للعمل، في موقع تفاوضي ضعيف. ومن هنا يمكن قراءة القرار الجديد كإشارة إلى إدراك مؤسساتي متزايد بأن تطوير الصناعة السينمائية لا يمر فقط عبر زيادة الميزانيات أو عدد الأفلام المنتجة، بل أيضاً عبر بناء بيئة قانونية ومهنية تحمي مختلف حلقات الإبداع.

في المقابل، يطرح هذا التحول التنظيمي أسئلة أخرى تتعلق بمدى قدرة المنظومة السينمائية المغربية على مواكبة هذا المستوى من التقنين، خصوصاً بالنسبة لشركات الإنتاج الصغيرة أو المشاريع المستقلة التي قد تجد نفسها مطالبة بإجراءات إدارية وقانونية إضافية قبل الولوج إلى منظومة الدعم. كما يثير القرار نقاشاً أوسع حول ضرورة تطوير مهن الكتابة السينمائية نفسها، سواء عبر التكوين أو عبر إرساء نقابات أو هيئات مهنية قادرة على الدفاع عن مصالح كتاب السيناريو داخل سوق لا يزال في طور التشكل.

هكذا، يبدو قرار المركز السينمائي المغربي خطوة تتجاوز بعدها الإداري المباشر، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل الصناعة السينمائية في المغرب: هل يمكن بناء سينما وطنية قوية دون إعادة الاعتبار إلى النص والكاتب بوصفهما حجر الأساس لأي عمل سينمائي؟ أم أن هذا الإجراء سيظل مجرد حلقة تنظيمية جديدة داخل منظومة دعم تحتاج بدورها إلى مراجعات أوسع حتى تحقق التوازن بين التمويل، والشفافية، وحماية الإبداع؟