بين سواحل الموت وهشاشة الأمل: حين تتحول الهجرة إلى سباحة نحو المجهول وتُعيد فتح سؤال السياسات الاجتماعية بالمغرب
في مشهد يتكرر بصمتٍ ثقيل على ضفتي المتوسط، أعادت حادثة انتشال جثة شاب مغربي، فشل في بلوغ مدينة سبتة المحتلة سباحة، فتح جرحٍ اجتماعي أعمق من مجرد خبر عابر. فوفق معطيات إعلامية إسبانية، تم صباح الاثنين انتشال جثة شاب كان يرتدي بدلة غوص وزعانف، في محاولة جديدة لعبور البحر نحو الضفة الأخرى، ليرتفع عدد الوفيات المسجلة منذ مطلع سنة 2026 إلى 15 حالة وفاة في محيط سبتة وحدها.
هذا الرقم، الذي يتراكم بصمت على شواطئ لا تُرى من الداخل كما تُرى من الخارج، لا يختزل فقط مأساة فردية، بل يعكس ظاهرة اجتماعية مركبة تتداخل فيها الهشاشة الاقتصادية، وضغط الانتظارات الاجتماعية، وانسداد آفاق الإدماج المهني، وتنامي الإحساس الجماعي بأن “المستقبل” صار فكرة مؤجلة أكثر منه واقعاً ممكناً.
خلال نهاية الأسبوع ذاته، تحدثت مصادر إعلامية إسبانية عن محاولات مكثفة للهجرة غير النظامية نحو سبتة، سواء عبر البحر أو عبر تسلق السياج الحدودي، في سياق تزامن مع ضباب كثيف ساهم في رفع وتيرة هذه المحاولات. بعض الحالات انتهت بإفشال العبور، فيما نُقل شاب إلى المستشفى بعد إصابات وانخفاض حاد في درجة حرارة جسده إثر محاولة سباحة طويلة من السواحل المغربية نحو المدينة المحتلة.
في الخلفية، لا تبدو هذه الحوادث منفصلة عن سياق اجتماعي أوسع داخل المغرب، حيث تتزايد مؤشرات القلق بشأن أوضاع الشباب، بين بطالة ممتدة، وهشاشة في سوق الشغل، وتراجع في الثقة في مسارات الإدماج الاجتماعي التقليدية. وهي عوامل تجعل من البحر في نظر البعض “خياراً أخيراً” رغم خطورته، أكثر مما هو مجرد مغامرة عابرة.
وتشير معطيات متداولة إلى أرقام مقلقة مرتبطة بالهدر المدرسي، حيث يُطرح سؤال واسع حول مصير مئات الآلاف من الأطفال الذين ينقطعون سنوياً عن الدراسة، في ظل تفاوتات اجتماعية ومجالية عميقة. غير أن هذه الأرقام، مهما كانت دلالتها، تفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين المدرسة وسوق العمل، وحول قدرة السياسات العمومية على تحويل التعليم إلى رافعة حقيقية للاندماج بدل أن يبقى محطة انتقال غير مكتملة.
في هذا السياق، لا تبدو مأساة سواحل سبتة مجرد ملف هجرة غير نظامية، بل مرآة لأسئلة أكبر: لماذا يتحول جزء من الشباب إلى البحث عن “خلاص فردي” عبر البحر؟ وأين تتقاطع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في إنتاج هذا الشعور الجماعي بالانسداد؟ وهل يتعلق الأمر بأزمة فرص فقط، أم بأزمة ثقة أعمق في جدوى الانتظار داخل الحدود؟
ما بين الأرقام التي تتراكم في تقارير الحرس المدني الإسباني، والقصص التي لا تُروى خلف كل محاولة عبور فاشلة، تتشكل صورة مركبة لواقع اجتماعي ضاغط، لا يمكن اختزاله في مقاربة أمنية أو ظرفية. بل هو سؤال بنيوي عن التنمية، والعدالة الاجتماعية، وقدرة النموذج القائم على احتواء تطلعات جيل كامل يبحث عن معنى لحياته داخل وطنه قبل أن يبحث عنه في الضفة الأخرى.