“فاطمة التامني تفجرها داخل البرلمان: “مسار يُنظر إليه كتقييد للاستقلالية بدل توسيعها”… جدل يضع فلسفة السلطة داخل قطاع الصحافة على المحك”

0
112

منذ سنوات، وخصوصاً مع تداعيات جائحة كوفيد-19، ظلّ سؤال هشاشة الوضع المهني للصحافيين يطفو على السطح دون أن يجد له إجابة سياسية أو تنظيمية حاسمة. وبينما تحوّلت بنية الإعلام في المغرب إلى فضاء أكثر تعقيداً وتشتتاً، وجد الصحافيون الفري لانسي أنفسهم في قلب الهشاشة: لا حماية اجتماعية كافية، ولا إطار مهني واضح، ولا استقرار مالي يضمن الحد الأدنى من الاستمرارية. ومع كل نقاش مؤسساتي حول تنظيم القطاع، يظل هذا الفاعل غير النظامي هو “الضحية الصامتة” في معادلة إصلاح الإعلام، رغم أنه الأكثر حضوراً في الإنتاج اليومي للمعلومة.

في هذا السياق، جاء النقاش البرلماني حول مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ليعيد فتح ملفات أعمق من مجرد تعديلات تقنية أو قانونية. فقد تحوّل الاجتماع داخل لجنة التعليم والثقافة إلى ساحة سجال سياسي ومهني حول طبيعة التمثيلية داخل القطاع، وحدود تدخل الدولة، ووظيفة المؤسسات التنظيمية. وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، قدّم تصوراً يعتبر فيه أن المشهد الصحافي يتشكل من تعدد الهيئات، وأن المجلس الوطني للصحافة ليس بديلاً عن النقابات ولا الناشرين، بل إطار مستقل له وظيفة استشارية وتنظيمية محددة، في محاولة لتفكيك فكرة “الاحتكار التمثيلي” داخل القطاع.

لكن خلف هذا التوصيف المؤسساتي، يبرز نقاش أعمق يتعلق بتوازن السلطة داخل الحقل الإعلامي نفسه. فالمقاربة الحكومية، كما عرضها الوزير، تقوم على منطق التكامل بين الهيئات بدل التنازع على الشرعية، وعلى ضرورة إعادة ضبط الأدوار بعد سنوات من “الارتباك القانوني” الذي رافق تجربة المجلس منذ 2020. غير أن هذا الطرح، رغم طابعه التنظيمي، يصطدم برؤية معاكسة تعتبر أن أي إعادة هندسة للمؤسسات المهنية دون تعزيز استقلاليتها قد تُفهم كنوع من إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والإعلام بدل تحريرها.

من داخل البرلمان، عبّرت النائبة فاطمة التامني عن هذا التخوف بصيغة سياسية حادة، معتبرة أن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل بفلسفة السلطة داخل القطاع. بالنسبة لها، الإشكال يكمن في اتجاه يُنظر إليه كمسار نحو “تقييد الاستقلالية” بدل توسيعها، مع التشكيك في مدى استيعاب الحكومة لملاحظات المهنيين والمعارضة. هذا التوتر يعكس في العمق اختلافاً حول تعريف التنظيم نفسه: هل هو أداة لضبط التوازنات المهنية، أم مدخل لإعادة صياغة موازين التأثير داخل المجال الصحافي؟

وبين هذا وذاك، يظل الملف الأشد حساسية غائباً نسبياً عن صلب النقاش المؤسساتي: وضعية الصحافيين غير المهيكلين، خصوصاً الفري لانسي الذين تضاعفت أعدادهم خلال السنوات الأخيرة. هؤلاء يشكلون اليوم جزءاً كبيراً من الإنتاج الإعلامي اليومي، لكنهم يشتغلون خارج أي ضمانات قانونية أو اجتماعية حقيقية. ومع كل إصلاح جديد، يبقى السؤال مطروحاً: أين موقعهم داخل هذا البناء التنظيمي المتجدد؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح للصحافة دون إدماج هذه الفئة التي تشكل اليوم العمود غير المرئي للمهنة؟

الوزير من جهته حاول نقل النقاش نحو منطق الاستقرار المؤسساتي، مؤكداً أن الاختلاف داخل القطاع ظاهرة طبيعية في سياق ديمقراطي، وأن الهدف هو تجاوز حالة التعثر القانوني وضمان استمرارية المؤسسات التنظيمية. كما شدد على أن التمثيلية السياسية والانتخابية تبقى الإطار الحاسم في ضبط النقاشات الكبرى، في إشارة إلى أن الشرعية النهائية تعود للمسار الديمقراطي العام.

لكن هذا التصور يفتح بدوره باباً لنقاش آخر: هل يمكن اختزال أزمة الصحافة في بعدها المؤسساتي فقط، أم أن هناك أزمة أعمق تتعلق بالاقتصاد الإعلامي ذاته، وبنموذج الاشتغال الذي يجعل آلاف الصحافيين خارج الحماية المهنية؟ فبين النص القانوني والواقع المهني، تتسع فجوة لا يبدو أنها تُردم بمجرد تعديلات تشريعية، بل بإعادة تفكير شاملة في بنية القطاع، وفي موقع الصحافي داخلها كفاعل اقتصادي واجتماعي وليس فقط كمنتج للخبر.

هكذا، يبدو أن سجال “مجلس الصحافة” لم يكن مجرد نقاش حول مؤسسة تنظيمية، بل كان مرآة لصراع أوسع حول مستقبل الصحافة نفسها في المغرب: بين من يرى أن الإصلاح يمر عبر إعادة ترتيب الأدوار داخل الإطار القائم، ومن يعتبر أن الأزمة أعمق وتمس جوهر استقلالية المهنة وشروط اشتغالها في زمن تتغير فيه ملامح الإعلام بسرعة تفوق قدرة القوانين على اللحاق بها.