في مشهد سياسي يزداد تعقيدًا وتوترًا، بدأت أسئلة الشفافية تعود بقوة إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، ليس عبر بلاغات حزبية تقليدية، بل عبر موجة تسريبات رقمية باتت تفرض إيقاعها على الفاعلين السياسيين، وتضعهم أمام اختبار صعب بين الصمت والتوضيح والمساءلة.
القضية التي فجّرت هذا النقاش ترتبط بحساب يُعرف بـ“جبروت”، الذي صار خلال الفترة الأخيرة مصدرًا لتسريب وثائق ومعطيات يُقال إنها تتعلق بالعقار والثروة والصفقات المرتبطة بعدد من المسؤولين والمنتخبين. ومع توالي هذه المعطيات في الفضاء الرقمي، انتقل النقاش من مجرد “تسريبات” إلى سؤال أوسع حول حدود الحق في المعرفة، وحدود الخصوصية، ومفهوم المساءلة في الحياة السياسية.
داخل هذا المناخ المشحون، برز اسم نزار بركة في سياق الجدل المرتبط بصفقة عقارية قيل إنها تخص اقتناء أرض في منطقة راقية بالعاصمة الرباط. وبينما انتشرت روايات تتحدث عن “أداء نقدي مباشر”، خرج مصدر مقرب منه ليقدم رواية مغايرة، مؤكّدًا أن العملية تمت عبر مساطر بنكية وشيك موثق، وأن عبارة “الأداء الفوري” في العقود لا تعني بالضرورة الدفع نقدًا، بل تسوية المبلغ كاملًا دون تقسيط. هذا التوضيح، وإن لم يصدر بشكل مباشر عن بركة نفسه، أعاد طرح سؤال آخر: لماذا يلجأ بعض السياسيين إلى وسطاء للتواصل في قضايا بهذا الحساسية بدل مواجهة الرأي العام مباشرة؟
في المقابل، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري مسارًا مختلفًا، عبر اللجوء إلى القضاء في مواجهة ما تعتبره معطيات منشورة تمس صورتها وسمعتها. خطوة أعادت بدورها النقاش حول العلاقة بين السياسة والقضاء، وحول ما إذا كان اللجوء إلى المساطر القانونية كافيًا للرد على أسئلة الرأي العام، أم أنه يظل مجرد جزء من المعادلة لا يعوض الحاجة إلى التواصل السياسي المباشر والشفاف.
وبين هذا وذاك، ظلّ صمت عدد من الأسماء السياسية الأخرى لافتًا، من بينها مصطفى بايتاس ومحمد شوكي، حيث يلاحظ متابعون أن غياب التوضيح في قضايا مرتبطة بالثروة والعقار يفتح الباب أمام التأويلات، ويجعل الفراغ المعلوماتي يتحول بسرعة إلى مادة خصبة للجدل السياسي والإعلامي.
في الخلفية أيضًا، يظهر اسم آل الرشيد في سياق توصيفات إعلامية متداولة، مع ما يرافق ذلك من صمت كامل يحيط بالمعطيات المتداولة حولهم، وهو صمت ينسحب على جزء واسع من النقاش الدائر حول الثروة والسلطة في المغرب.
ما يجمع هذه الحالات ليس فقط طبيعة الملفات المثارة، بل طريقة تفاعل الفاعلين معها. فبين من يختار التوضيح غير المباشر، ومن يلجأ إلى القضاء، ومن يلتزم الصمت التام، يبدو أن المشهد السياسي يعيش انتقالًا من منطق “الرد السياسي” إلى منطق “إدارة الصمت”، في وقت أصبحت فيه الوثيقة الرقمية، مهما كانت طبيعتها، قادرة على إعادة تشكيل النقاش العام في ساعات قليلة.
لكن خلف هذا الجدل، يطفو سؤال أعمق من كل الأسماء والتفاصيل: هل دخلت السياسة المغربية مرحلة جديدة تصبح فيها الشفافية ليست خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية لبقاء الثقة بين الفاعل السياسي والمجتمع؟ أم أن الصراع بين التسريبات والردود القانونية والصمت سيظل يطبع العلاقة بين السلطة والرأي العام في السنوات المقبلة؟
في النهاية، ما تكشفه هذه اللحظة ليس مجرد خلاف حول وثائق أو عقارات، بل تحولًا أوسع في طبيعة الرقابة الاجتماعية على النخب السياسية. رقابة لم تعد تمر فقط عبر المؤسسات، بل عبر الفضاء الرقمي الذي يفرض إيقاعه الخاص، ويجعل من كل ملف مؤجل سؤالًا مفتوحًا، ومن كل صمت جوابًا محتملًا بقدر ما هو إشكالي.