في لحظة اقتصادية تتكثف فيها المؤشرات المتناقضة، حيث يتجاور خطاب الإقلاع الاستثماري مع واقع هشّ للمقاولات الصغيرة جداً، تخرج التهاني الموجهة إلى القيادة الجديدة لـConfédération Générale des Entreprises du Maroc محمّلة بما هو أبعد من البروتوكول، لتتحول إلى قراءة ضمنية في مستقبل التوازن داخل النسيج المقاولاتي الوطني.
فانتخاب السيد مهدي التازي رئيساً جديداً للاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى جانب السيد محمد بشيري نائباً للرئيس، لا يُقرأ فقط كتحول في الوجوه، بل كإعادة طرح لسؤال أعمق: أي نموذج للتمثيلية الاقتصادية قادر على مواكبة واقع يتغير بسرعة أكبر من أدوات تدبيره؟ ومن هذا المنظور، تضع الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تهانيها في إطار مشروط بالانتظار الحذر أكثر منه احتفاءً تقليدياً، انتظار لمرحلة يُفترض أن تُترجم فيها الشعارات إلى التزامات ملموسة.
في خلفية هذا الموقف، تبرز معطيات ثقيلة لا يمكن تجاوزها بسهولة. فوفق دراسة وطنية أنجزتها الكونفدرالية حول واقع “المقاولة الصغيرة جداً: محرّك معطوب”، يتضح أن الاقتصاد غير المهيكل يلتقي مع هشاشة المقاولة في نقطة واحدة: قابلية عالية للانكسار. أزيد من 52 ألف مقاولة أغلقت أبوابها خلال سنة 2025، أغلبها من فئة المقاولات الصغيرة جداً، ما يعكس وتيرة نزيف صامت لا يظهر دائماً في الخطابات الرسمية، لكنه يُقاس في سوق العمل وفي دينامية الأحياء الاقتصادية الهامشية.
هذا المعطى لا يطرح فقط سؤال الاستمرارية، بل يعيد فتح النقاش حول موقع هذه الفئة داخل السياسات العمومية والتمثيليات المهنية. فحين تمثل المقاولات الصغيرة جداً نسبة تقارب 97٪ من النسيج المقاولاتي، وتسهم بأكثر من 80٪ من فرص الشغل في القطاع الخاص، يصبح الحديث عن “الهامش” تعبيراً غير دقيق، بل ربما مضللاً، لأن هذا الهامش هو في الواقع المركز الصامت للاقتصاد الوطني.
من هنا، تتقدم الكونفدرالية بدعوة واضحة إلى القيادة الجديدة لـConfédération Générale des Entreprises du Maroc من أجل فتح مسار حوار مؤسسي منظم، لا يقوم على اللقاءات الظرفية، بل على إعادة تعريف الأولويات الاقتصادية على أساس العدالة في الولوج إلى التمويل، وإدماج فعلي في الصفقات العمومية، وتجاوز المقاربات التقليدية التي ظلت، في نظر الفاعلين الصغار، بعيدة عن عمق الإشكال الحقيقي.
وفي هذا السياق، تأتي الدعوة الموجهة إلى الرئيس الجديد للمشاركة في الملتقى الوطني الأول للمقاولات الصغيرة جداً، المزمع تنظيمه في الدار البيضاء خلال يونيو 2026، باعتبارها اختباراً عملياً لمدى قابلية المرحلة الجديدة لفتح قنوات مباشرة بين مراكز القرار الاقتصادي وواقع المقاولة الصغيرة جداً. فالمسألة هنا لا تتعلق بحضور رمزي، بل بإشارة سياسية واقتصادية إلى إمكانية بناء تعاقد جديد بين مختلف مكونات النسيج المقاولاتي.
إن ما تكشفه هذه اللحظة ليس مجرد انتقال إداري داخل هيئة تمثيلية كبرى، بل إعادة طرح لمسألة التوازن داخل الاقتصاد المغربي نفسه: من يُنتج الثروة؟ من يتحمل الهشاشة؟ ومن يملك القدرة على تحويل الأرقام إلى سياسات واقعية؟
في نهاية المطاف، يبدو أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط بتغيير القيادة، بل بقدرة هذه القيادة على الإنصات إلى طبقة اقتصادية تمثل الغالبية العددية لكنها ما تزال تبحث عن الاعتراف الكامل بمكانتها داخل منظومة القرار. وهو رهان سيحدد، في جزء كبير منه، شكل العلاقة المستقبلية بين الفعل الاقتصادي الرسمي وواقع آلاف المقاولات التي تعيش على حافة الاستمرار.