70 مليار درهم… حين فضح رقمٌ واحد ارتباك الدولة والإعلام والسياسة في المغرب

0
119

في المغرب، لا تبدأ بعض الأزمات من الشارع، بل من جملة تُقال على الهواء، أو رقم يمرّ داخل استوديو تلفزيوني فيبدو تفصيلًا عابرًا، قبل أن يتحول فجأة إلى نافذة مفتوحة على أعطاب أعمق داخل الدولة والإعلام والسياسة معًا. ذلك ما حدث تقريبًا خلال الحلقة التي جمعت الصحافي يوسف بلهيسي بـ رشيد الطالبي العلمي، حين تحوّل الحديث عن دعم استيراد الأغنام والأبقار إلى لحظة سياسية وإعلامية كشفت أكثر مما شرحت، وفضحت أكثر مما أوضحت.

في الظاهر، بدا النقاش مجرد مواجهة تلفزيونية حول رقم صادم: “70 مليار درهم” قيل إنها كلفة الدعم العمومي المباشر وغير المباشر المرتبط باستيراد الأغنام والأبقار واللحوم. لكن خلف هذا الرقم، كانت هناك أزمة أكبر تتحرك بصمت: أزمة فهم، وأزمة ثقة، وأزمة طريقة اشتغال النقاش العمومي نفسه في المغرب.

اللافت في الحلقة لم يكن فقط الرقم، بل الطريقة التي أُدير بها الحوار. كثيرون لاحظوا أن يوسف بلهيسي، الذي يظهر أحيانًا بحدة أكبر مع شخصيات معارضة أو وزراء سابقين، بدا هذه المرة أقل شراسة في مواجهة أحد أبرز وجوه السلطة السياسية والتشريعية في البلاد. هنا لم يعد النقاش متعلقًا فقط بمضمون الأسئلة، بل بطبيعة المسافة التي يضعها الإعلامي بينه وبين ضيفه. لأن الجمهور المغربي لم يعد يكتفي بسماع الجواب، بل صار يراقب أيضًا نبرة السؤال، وحدّة المقاطعة، ومساحات الصمت، ومن يُحرج ومن يُترك يعيد بناء روايته بهدوء.

وحين طُرح رقم “70 مليار درهم”، بدا الارتباك واضحًا على الطرفين معًا. الصحافي طرح الرقم بمنطق الصدمة الإعلامية، لكن دون تفكيك اقتصادي وتقني عميق يشرح للمشاهد كيف تُحتسب كلفة الدعم أصلًا. وفي المقابل، تعامل رشيد الطالبي العلمي مع الرقم كأنه مبالغة أو خطأ صحافي، أكثر من تعامله معه كمدخل لنقاش سياسي واقتصادي شفاف حول المال العام. فجأة، لم يعد السؤال: أين ذهبت الأموال؟ بل: هل الرقم صحيح أصلًا؟ وهنا ضاع جوهر القضية وسط معركة حول طريقة الحساب بدل مساءلة السياسات نفسها.

لكن الأخطر من ذلك أن الحلقة كشفت هشاشة الثقافة الاقتصادية والسياسية داخل جزء من النخبة التي تدير النقاش العمومي. لأن الحديث عن الدعم العمومي ليس مجرد أموال تُصرف مباشرة من خزينة الدولة، بل يشمل أيضًا الإعفاءات الضريبية والجمركية والخسائر غير المباشرة التي تتحملها المالية العمومية. وهي تفاصيل تقنية تحتاج إلى صحافة استقصائية دقيقة، ومؤسسات قادرة على تقديم المعطيات للرأي العام بشفافية. غير أن ما ظهر على الشاشة كان شيئًا آخر: صحافي يبحث عن “الضربة الإعلامية”، وسياسي يبحث عن حماية صورة الحكومة، بينما بقي المواطن خارج المعادلة كلها.

المواطن المغربي الذي يسمع عن مليارات الدراهم المصروفة لا يريد الدخول في تعقيدات المحاسبة العمومية أو لغة الاقتصاد الكلي. هو يريد جوابًا بسيطًا: لماذا بقيت الأسعار مرتفعة؟ لماذا لم يشعر بانخفاض ثمن اللحوم؟ ومن استفاد فعلًا من هذا الدعم؟ لكن بدل أن يحصل على أجوبة، وجد نفسه أمام حوار مرتبك، ينتقل من الأرقام إلى التبرير السياسي، ومن مساءلة السياسات إلى التشكيك في طريقة عرض المعطيات.

هنا بالتحديد ظهرت أزمة أعمق من مجرد ملف اقتصادي: أزمة الثقة في المؤسسات. لأن المشاهد حين يرى صحافيًا غير قادر على تفكيك الرقم الذي طرحه بدقة، وسياسيًا يرد على الرقم لا على جوهر الأزمة، يشعر بأن الحقيقة نفسها أصبحت ضائعة وسط الضجيج. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي مجتمع: أن يفقد المواطن ثقته ليس فقط في السياسي، بل حتى في قدرة الإعلام والمؤسسات على إنتاج حقيقة واضحة ومقنعة.

ولعل ما زاد من حساسية النقاش أن تداعياته لم تتوقف عند حدود الحلقة التلفزيونية نفسها، بل امتدت لاحقًا إلى التعليقات والتحليلات التي أعقبتها، خصوصًا في القراءة التي قدمها حميد المهداوي، والتي حاول من خلالها ربط الجدل حول الدعم العمومي بسياق أوسع يتعلق بأزمة الثقة داخل المشهد المغربي. فالمهداوي لم يكن يناقش فقط رقم “70 مليار درهم”، بل كان يلمّح إلى شعور عام يتنامى لدى جزء من الرأي العام، مفاده أن القضايا الكبرى في المغرب أصبحت متشابكة بشكل يجعل المواطن عاجزًا عن التمييز بين ما هو سياسي وما هو إعلامي وما هو قضائي.

ومن هنا انتقل النقاش، في التحليل الموازي للحلقة، من ملف الدعم إلى قضايا أخرى مثل التسريبات، وحماية المعطيات الشخصية، والصراعات داخل المؤسسات، وكأن كل هذه الملفات تصب في إحساس جماعي واحد: إحساس بأن الدولة لم تعد تُنتج اليقين والطمأنينة بالقدر الذي تُنتج به الشك والأسئلة المعلقة. المواطن الذي يتابع هذا التراكم اليومي للجدل لم يعد يرى فقط حكومة تُدافع عن اختياراتها أو معارضة تنتقدها، بل صار يرى مشهدًا كاملًا تتداخل فيه السلطة بالإعلام بالقضاء، فيصبح من الصعب عليه معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الحسابات السياسية أو الإعلامية.

وخلال الحوار، حاول رشيد الطالبي العلمي الدفاع عن فكرة “الأغلبية المريحة”، معتبرًا أن الاستقرار المؤسساتي ضروري لتمرير الإصلاحات. لكن خلف هذا الخطاب، كان سؤال آخر يطفو بصمت: هل تحولت الأغلبية العددية فعلًا إلى قوة تُضعف الرقابة البرلمانية؟ وهل ما يزال البرلمان قادرًا على مساءلة حكومة يهيمن عليها الحزب نفسه الذي ينتمي إليه رئيس المؤسسة التشريعية؟

الأكثر إثارة أن الطالبي العلمي حاول أكثر من مرة نقل النقاش نحو “الكواليس” واللجان والتوافقات الداخلية، وكأنه يقول ضمنيًا إن ما يظهر في الجلسات العامة ليس سوى الجزء الأخير من قرارات تُصنع مسبقًا بعيدًا عن أعين الرأي العام. وهنا تبرز إحدى أكبر معضلات السياسة المغربية: المواطن يشاهد البرلمان على الشاشة باعتباره فضاء للنقاش والصراع الديمقراطي، بينما تُدار أجزاء واسعة من القرار الحقيقي داخل غرف التوافقات المغلقة.

وسط كل هذا، بدا الإعلام نفسه جزءًا من الأزمة لا مجرد ناقل لها. لأن السؤال الذي خرج به كثير من المغاربة من هذه الحلقة لم يكن فقط: هل الدعم كان 70 مليارًا فعلًا؟ بل سؤال آخر أكثر حساسية: هل ما يزال الإعلام المغربي يمتلك الجرأة نفسها والمسافة نفسها تجاه جميع مراكز القوة؟ أم أن بعض الحوارات أصبحت تُدار بمنطق الحفاظ على التوازنات أكثر من البحث عن الحقيقة؟

في النهاية، لم يكشف هذا الحوار فقط ارتباك صحافي أو دفاع سياسي مرتبك، بل كشف شيئًا أخطر بكثير: الفراغ المعرفي الذي أصبح يبتلع النقاش العمومي المغربي. فالدولة التي تريد إقناع مواطنيها بالإصلاح تحتاج إلى مؤسسات تُنتج الوضوح، وإلى إعلام يشرح بدل أن يصدم، وإلى سياسيين يناقشون جوهر الأزمات لا طريقة تسويقها.

لأن أخطر ما في المشهد لم يكن رقم “70 مليار درهم”، بل ذلك الإحساس الجماعي الذي خرج به كثيرون بعد انتهاء الحلقة: أن المغرب لم يعد يعيش فقط أزمة غلاء أو أزمة سياسة، بل بدأ يقترب تدريجيًا من أزمة ثقة شاملة، حيث لم يعد المواطن يعرف من يملك الحقيقة أصلًا… ولا كيف تُحسب.