“الفراقشية غيت”.. كيف ابتلعت لوبيات السوق 76 ملياراً من أموال المغاربة بينما صار اللحم حلماً على موائد الفقراء؟

0
75

في المغرب، لا تبدأ بعض الأزمات من الحقول ولا من الموانئ، بل من السوق الشعبي. من ذلك المشهد الذي يتكرر كل صباح: مواطن يقف أمام الجزار، يسأل عن ثمن اللحم، ثم يبتسم ابتسامة قصيرة تشبه الهزيمة ويغادر. خلال سنوات قليلة فقط، صار المغربي يسمع أرقاماً بالمليارات تُصرف باسم “حماية القدرة الشرائية”، لكنه في المقابل صار يشتري أقل، ويؤجل أكثر، ويشعر أن السوق تتحرك في اتجاه معاكس تماماً لما تقوله الحكومة. ومن هنا بالضبط جاء ذلك النقاش الطويل الذي فجّره اللقاء الصحفي بين يونس مسكين ويوسف الحيرش وثلة من المثقفين والحقوقيين، ليس باعتباره مجرد حلقة إعلامية حول الغلاء، بل محاولة لتفكيك “كيف تشتغل اللعبة”.

اللقاء لم يبدأ من الاقتصاد النظري، بل من سؤال بسيط جداً: كيف يمكن لدولة تقول إنها ضخت ما يقارب 76 مليار درهم بين دعم مباشر وإعفاءات جمركية وضريبية وتحملات مالية مرتبطة باستيراد الأغنام والأبقار والأعلاف والنقل، أن تنتهي بأسعار لحوم تجاوزت أحياناً 120 درهماً للكيلوغرام؟ كيف يمكن لكل هذه الأموال أن تتحرك داخل السوق، ثم لا يشعر المواطن إلا بالارتفاع؟ هنا بدأ النقاش ينتقل من “الغلاء” إلى شيء أخطر: بنية السوق نفسها.

يوسف الحيرش، وهو يشرح تفاصيل التحقيق، حاول أن يفكك للمشاهدين ما سماه “الأرقام المختبئة”. لأن جزءاً كبيراً من الدعم لم يكن عبارة عن أموال نقدية تُسلَّم مباشرة، بل إعفاءات تتحملها الدولة بصمت. حين تُلغى الرسوم الجمركية على استيراد الأبقار والأغنام، فهذا يعني أن الدولة تتخلى عن مداخيل كانت ستدخل الخزينة. وحين تُخفض الضرائب أو تتحمل تكاليف النقل أو تدعم الأعلاف، فهي عملياً تساهم في تخفيض كلفة العملية التجارية على المستوردين. لكن السؤال الذي ظل يتكرر داخل اللقاء هو: من استفاد فعلاً من هذا التخفيض؟ المواطن أم الفاعلون الكبار داخل السوق؟

الأرقام التي خرجت لاحقاً في الصحافة المغربية دعمت جزءاً من هذا النقاش. تقارير إعلامية تحدثت عن أن حجم الدعم المرتبط باستيراد الأغنام والأبقار تجاوز 13 مليار درهم، بين إعفاءات ضريبية ورسوم جمركية ودعم مباشر. كما أكدت وزارة الفلاحة نفسها أن الدولة خصصت 437 مليون درهم فقط لدعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024، مع استيراد حوالي 875 ألف رأس غنم. لكن ما كان يقوله المتدخلون في الحلقة هو أن هذه الأرقام الظاهرة ليست سوى جزء صغير من الكلفة الحقيقية، لأن هناك أيضاً ما يسمى “تحملات الدولة غير المباشرة”: الإعفاءات، وإلغاء الرسوم الحمائية، ودعم الأعلاف، وتكاليف النقل، وكلها تدخل ضمن الكلفة النهائية التي يتحملها المال العام.

هنا بدأ يونس مسكين يقود النقاش نحو النقطة الجوهرية: السوق المغربية ليست سوقاً حرة بالكامل كما تبدو في الخطاب الرسمي. لأن الدخول الحقيقي إلى سوق استيراد اللحوم يحتاج إلى رأس مال ضخم، وشبكات لوجستية، وقدرة على التخزين، وعلاقات مع الموردين الخارجيين، وسيطرة على التوزيع. بمعنى آخر، حين تفتح الدولة باب الاستيراد، فهي لا تفتحه أمام “الكساب الصغير” في القرية، بل أمام فاعلين كبار يملكون أصلاً مفاتيح السوق.

وهنا بالتحديد تظهر “اللعبة” التي حاول اللقاء شرحها للمغاربة. الدولة تقول: “سنخفض الرسوم الجمركية حتى تنخفض الأسعار”. المستورد يدخل الأبقار أو الأغنام بكلفة أقل. لكن هل يوجد قانون صارم يجبره على بيع اللحم بثمن منخفض؟ هل توجد مراقبة دقيقة لسلسلة الأرباح؟ هل يعرف المواطن أصلاً كم كان يجب أن ينخفض الثمن بعد كل هذه الإعفاءات؟ هنا تصبح السوق أشبه بغرفة مغلقة لا يرى الناس منها إلا الثمن الأخير فوق الطاولة.

اللقاء قدّم صورة شبه كاملة عن هذه السلسلة. هناك مستورد، ثم ناقل، ثم موزع، ثم مجازر، ثم جزار، وكل حلقة تضيف هامش ربحها الخاص. وعندما تكون السوق مركزة في يد عدد محدود من الفاعلين الكبار، يصبح من السهل أن تظل الأسعار مرتفعة حتى لو انخفضت الكلفة الأصلية. لهذا كان المتدخلون يكررون أن الدعم، بدون شروط واضحة وربط مباشر بالأسعار، قد يتحول ببساطة إلى “دعم للأرباح”.

الأخطر في النقاش لم يكن فقط ما قيل عن المستوردين، بل ما قيل عن اختفاء “الكسابة الصغار”. أحد أهم الأفكار التي ظهرت في الحلقة هو أن الدعم، بدل أن يعيد التوازن للسوق، ساهم عملياً في تسريع تركيزها. لأن المربي الصغير في العالم القروي لم يعد قادراً على تحمل الجفاف وغلاء الأعلاف وارتفاع كلفة الماء والنقل. شيئاً فشيئاً، بدأ يخرج من السوق. بينما الفاعل الأكبر، الذي يملك السيولة والعلاقات وقدرة الاستيراد، صار أكثر قوة.

وهنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد “غلاء لحوم”. نحن أمام تحوّل اقتصادي واجتماعي داخل المغرب القروي نفسه. فالكساب الصغير لم يكن فقط منتجاً للحوم، بل جزءاً من بنية اجتماعية كاملة: الأعراس، المواسم، الاقتصاد المحلي، العلاقات داخل الدواوير. وعندما يختفي، لا تختفي فقط رؤوس الأغنام، بل تختفي طريقة عيش كاملة.

في لحظة مهمة جداً من اللقاء، انتقل النقاش من السوق إلى السياسة. لأن المتدخلين بدأوا يتساءلون: إذا كانت كل هذه الأموال تُصرف، فمن يراقب؟ البرلمان؟ مجلس المنافسة؟ الحكومة نفسها؟ ولماذا لا تظهر نتائج واضحة للمحاسبة؟ هنا ظهرت واحدة من أخطر الجمل التي قيلت داخل الحلقة: “المشكل لم يعد فقط في الفساد، بل في التطبيع مع غياب محاربة الفساد”.

هذه الجملة تختصر شيئاً كبيراً داخل المزاج المغربي الحالي. لأن الناس لم يعودوا يصدمون من سماع أرقام بالمليارات. صار المواطن يسمع “13 مليار”، “76 مليار”، “إعفاءات ضخمة”، ثم يواصل يومه بشكل عادي، كأن الأمر تحول إلى جزء من المشهد الطبيعي. وهذا بالضبط ما كان يخشاه المتدخلون: أن يتحول الإحساس بالعجز أمام المال والنفوذ إلى وعي جماعي دائم.

ومن بين النقاط القوية أيضاً داخل النقاش، المقارنة غير المباشرة مع “صندوق المقاصة”. فالمغاربة يتذكرون جيداً كيف قيل لهم لسنوات إن دعم المواد الأساسية يرهق ميزانية الدولة، وإن الإصلاح يقتضي تحرير الأسعار وتقليص الدعم. لكن اليوم، حين يسمعون أن الدولة تتحمل مليارات الدراهم لدعم الاستيراد والإعفاءات، يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: إذا كانت الدولة قادرة على تحمل هذه الكلفة الضخمة، فلماذا لم يشعر المواطن بانخفاض حقيقي في الأسعار؟

المثير أن الحكومة نفسها كانت تقدم رواية مختلفة. وزارة الفلاحة قالت إن دعم استيراد الأغنام ساهم في “استقرار الأسعار” والحفاظ على القطيع الوطني ومنع الأسعار من الوصول إلى مستويات أعلى. بمعنى أن الدولة لا تقول إنها نجحت في تخفيض الأسعار، بل إنها منعت انفجاراً أكبر. لكن هذا الخطاب التقني يصطدم مباشرة بالإحساس اليومي للمواطن الذي لا يقارن الأسعار بما “كان يمكن أن تكون عليه”، بل بما كان يدفعه فعلياً قبل سنوات قليلة فقط.

وهنا يدخل عنصر نفسي مهم جداً تحدث عنه المشاركون بطريقة غير مباشرة: المجتمع يتطبع تدريجياً مع الغلاء. حين ارتفع اللحم من 70 إلى 90 درهماً كان ذلك صدمة. ثم صار 100 درهم أمراً عادياً. وبعدها بدأ الناس يعتبرون 120 درهماً “أهون الشر”. هذه العملية تجعل أي انخفاض بسيط يبدو وكأنه نجاح، رغم أن المستوى العام للأسعار بقي مرتفعاً جداً مقارنة بالقدرة الشرائية.

اللقاء كشف أيضاً مفارقة أخرى: الدولة تدخلت بقوة داخل سوق اللحوم، لكن المواطن لم يشعر بالقوة نفسها في مجالات أخرى مثل الأجور أو التشغيل أو الحماية الاجتماعية المباشرة. ولذلك بدأ يتشكل انطباع عند جزء من المغاربة بأن الدولة صارت تتدخل أكثر لحماية توازن السوق من تدخلها لحماية التوازن الاجتماعي.

وفي خلفية كل هذا، كان هناك سؤال غير معلن لكنه حاضر بقوة: هل أصبح الاقتصاد المغربي اقتصاد “لوبيات” أكثر من كونه اقتصاد منافسة؟ لأن السوق حين تكون مفتوحة شكلياً لكنها عملياً تحتاج إلى نفوذ ورأس مال ضخم وعلاقات، فإن المستفيد الأكبر من أي دعم حكومي لن يكون المواطن ولا المنتج الصغير، بل الحلقة الأقوى داخل السلسلة.

حتى النقاش حول “الفراقشية” نفسه كان يحمل سوء فهم داخل الوعي الشعبي. فالكثير من المغاربة يعتقدون أن “الشناقة” أو الوسطاء الصغار هم أصل الأزمة. لكن ما حاول اللقاء قوله هو أن المسألة أكبر بكثير من ذلك. لأن الوسيط الصغير يتحرك داخل منظومة أوسع: الاستيراد، الأعلاف، النقل، التخزين، المجازر، التوزيع، التمويل. أي أن السوق لا تتحكم فيها فقط الوجوه التي يراها الناس في الأسواق الأسبوعية، بل بنية كاملة تتحرك خلفها.

ولهذا بدا اللقاء في النهاية كأنه لا يتحدث فقط عن اللحم، بل عن المغرب نفسه. عن دولة تتحرك بأرقام ضخمة، وعن سوق تزداد تركّزاً، وعن مواطن يسمع لغة اقتصادية معقدة بينما يعيش واقعاً بسيطاً جداً: راتبه لم يعد يكفي. وعن مجتمع بدأ يشعر أن الأزمات لم تعد استثناءً، بل أصبحت طريقة دائمة لتنظيم الحياة اليومية.

وربما لهذا السبب انتشر النقاش بهذا الشكل. لأن المغاربة لم يروا فيه مجرد ملف حول الأغنام والأعلاف، بل رأوا فيه انعكاساً لعلاقة مختلة بين السلطة والسوق والمجتمع. علاقة تُصرف فيها مليارات الدراهم باسم المواطن، بينما المواطن نفسه يقف في آخر السلسلة، ينظر إلى الأسعار، ويحاول فقط أن يفهم: أين ذهبت كل تلك الأموال؟