في الحياة السياسية، هناك أخبار تمر كغيرها، وهناك أخبار تتحول إلى مفاتيح لقراءة مرحلة كاملة. وانضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ينتمي إلى الصنف الثاني؛ ليس لأن الرجل انتقل من موقع إداري إلى موقع حزبي فحسب، بل لأن هذا الانتقال فجّر، منذ لحظته الأولى، سيلاً من القراءات والتأويلات التي تجاوزت حدود الحزب نفسه، لتلامس سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية تشكل السلطة السياسية في المغرب، وبالعلاقة بين الانتخابات، وموازين القوة، وصناعة القيادة.
فمنذ الإعلان الرسمي عن التحاقه بالحزب، لم يكن النقاش منصباً على البطاقة الحزبية التي حملها لقجع، بقدر ما انصرف إلى البطاقة السياسية التي يعتقد كثيرون أنه يحملها للمستقبل. وهنا لم يعد السؤال: لماذا اختار حزب الأصالة والمعاصرة؟ بل أصبح: لماذا اختار هذه اللحظة؟ ولماذا هذا الحزب بالذات؟ وما الذي تعنيه هذه الخطوة في توقيت لم يعد يفصل البلاد عن الانتخابات التشريعية سوى أسابيع قليلة؟
حين يدخل رجل الدولة إلى الحزب… هل يعيد “البام” رسم توازنات السلطة قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية؟
هذا النوع من الأسئلة لا يولد من فراغ، بل من طبيعة الشخصية نفسها. ففوزي لقجع ليس سياسياً تقليدياً شق طريقه عبر التنظيمات الحزبية، ولم يعرف عنه أنه خاض انتخابات محلية أو برلمانية، أو راكم مساراً داخل هياكل حزب سياسي. الرجل جاء من الإدارة العليا، ومن تدبير المالية العمومية، ومن المؤسسات، ثم من الرياضة، قبل أن يدخل فجأة إلى أعلى هيئة تقريرية داخل أحد أكبر الأحزاب المغربية، من دون المرور بالمسار التنظيمي الذي يسلكه عادة آلاف المناضلين.
وهنا تبدأ القراءة السياسية العميقة. فحين يصل شخص مباشرة إلى المكتب السياسي، فإن الرسالة التي يلتقطها الرأي العام لا تتعلق فقط بما حصل عليه، بل بما ينتظره. لأن السياسة لا تقرأ المناصب الحالية فقط، وإنما تقرأ أيضاً المناصب المحتملة التي تلوح في الأفق.
ومن هنا انتشرت بسرعة فرضية تقول إن انضمام لقجع لا يمكن فهمه باعتباره مجرد انخراط حزبي، بل باعتباره جزءاً من ترتيب سياسي أكبر. وهي فرضية تعكس قراءة متداولة في الفضاء العام، لكنها تبقى في حدود التأويل السياسي، وليست حقيقة مثبتة أو معطى رسمياً. فحتى الآن، لا يوجد أي إعلان رسمي يفيد بأن فوزي لقجع مرشح لرئاسة الحكومة، كما أن الدستور المغربي يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات، بعد إجرائها، ووفق الآليات الدستورية المعمول بها.
ومع ذلك، فإن ما يهم في السياسة ليس الوقائع وحدها، بل أيضاً التصورات التي تتكون لدى المواطنين. فحين يبدأ جزء من الرأي العام في الحديث عن اسم رئيس الحكومة المقبل قبل فتح صناديق الاقتراع، فإن القضية لا تعود مرتبطة بالشخص وحده، وإنما تصبح مرتبطة بصورة العملية الانتخابية نفسها، ومدى اقتناع المواطنين بأن نتائجها لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.
وهنا يكمن جوهر الإشكال الديمقراطي. فالانتخابات لا تستمد مشروعيتها فقط من سلامة الاقتراع، وإنما أيضاً من اقتناع المواطنين بأن المنافسة حقيقية، وأن النتائج لم تُحسم سلفاً، وأن صناديق الاقتراع هي التي تنتج السلطة، لا العكس. ولذلك، فإن مجرد انتشار خطاب يعتبر أن هوية رئيس الحكومة أصبحت معروفة قبل التصويت، حتى وإن كان مجرد انطباع أو قراءة سياسية، يكفي لطرح أسئلة حول أثر هذه التصورات على الثقة في المشاركة السياسية.
وليس المقصود هنا مناقشة صحة هذه الفرضيات أو نفيها، بل تحليل ما تكشفه عن المزاج السياسي العام. فكلما شعر المواطن بأن نتائج اللعبة محسومة مسبقاً، تراجع الحماس للمشاركة، واتسعت دائرة العزوف، لأن الإحساس بجدوى التصويت يرتبط دائماً بالإيمان بأن الصوت الفردي قادر على التأثير في النتيجة النهائية.
وفي هذا السياق، يتردد حديث متزايد عن ما يسميه البعض “حكومة مونديال 2030″، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب فريقاً حكومياً قادراً على تدبير أكبر ورش دولي سيعرفه المغرب خلال العقود الأخيرة. ومن الطبيعي أن يبرز اسم فوزي لقجع داخل هذا النقاش، بحكم إشرافه على ملفات رياضية ومالية كبرى، ورئاسته للجنة الوطنية المكلفة بالإعداد لكأس العالم 2030. لكن الانتقال من الاعتراف بالكفاءة إلى الجزم بالمستقبل السياسي يبقى قفزة لا يمكن حسمها إلا عبر المسار الدستوري والاقتراع والمؤسسات.
غير أن السياسة لا تعيش فقط على الحقائق، بل أيضاً على الرموز. واختيار حزب الأصالة والمعاصرة تحديداً يفتح بدوره باباً واسعاً للتأويل. فهل كان الأمر مجرد اختيار تنظيمي طبيعي؟ أم أنه يعكس قراءة معينة لخريطة التحالفات والفرص السياسية؟ أم أنه يعبر عن قناعة بأن الحزب يمتلك حظوظاً قوية في الانتخابات المقبلة؟ كلها أسئلة مشروعة في النقاش السياسي، لكنها تبقى أسئلة لا أجوبة نهائية لها قبل أن يقول الناخبون كلمتهم.
ومن زاوية أخرى، تكشف هذه اللحظة عن تحول أعمق في الثقافة السياسية المغربية. فالأحزاب لم تعد تتنافس فقط عبر برامجها، بل أصبحت تتنافس أيضاً عبر استقطاب الشخصيات ذات الحضور المؤسساتي القوي. وأصبح الرأي العام، بدوره، يقرأ انضمام الأسماء أكثر مما يقرأ مضامين البرامج، وكأن الأشخاص أصبحوا هم الرسالة السياسية الأساسية.
لكن الديمقراطية لا تقوم على الأشخاص وحدهم، بل على القواعد التي تحكم وصولهم إلى السلطة. فإذا تحولت الانتخابات في وعي المواطنين إلى مجرد محطة لتأكيد توقعات سابقة، فإن الخطر لا يكون على حزب معين أو على مرشح بعينه، بل على الثقة الجماعية في العملية الديمقراطية نفسها.
وفي المقابل، قد تكشف نتائج الاقتراع مستقبلاً أن كثيراً من هذه القراءات كانت مجرد توقعات سياسية لم تصمد أمام صناديق الاقتراع. فالتاريخ السياسي مليء بالأسماء التي بدت، في لحظة ما، وكأنها وصلت إلى خط النهاية، قبل أن تعيد الانتخابات رسم المشهد بطريقة مختلفة تماماً.
لهذا، فإن الحدث الحقيقي ليس انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة فقط، وإنما النقاش الذي ولده هذا الانضمام داخل المجتمع. فهذا النقاش يكشف حجم الترقب الذي يحيط بالاستحقاقات المقبلة، ويعكس أيضاً مستوى الحساسية التي أصبحت تحيط بكل إشارة سياسية في مرحلة ما قبل الانتخابات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم بعيداً عن الأشخاص والأحزاب: هل ستنجح انتخابات 2026 في إقناع المواطنين بأن صندوق الاقتراع هو الذي يصنع القيادة السياسية، أم أن استمرار انتشار الانطباعات المسبقة حول النتائج سيجعل التحدي الأكبر ليس في إعلان الفائز، بل في استعادة ثقة الناخب في أن صوته هو الذي يصنع هذا الفوز؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الانتخابات نفسها، لا التأويلات، ولا الشائعات، ولا رهانات اللحظة السياسية.