حين يدخل رجل الدولة إلى الحزب… هل يعيد “البام” رسم توازنات السلطة قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية؟

0
102

في السياسة، لا تكون بعض القرارات مجرد انضمام شخص إلى حزب، بل تصبح إعلاناً عن انتقال مراكز الثقل داخل الدولة نفسها. فهناك أسماء تلتحق بالأحزاب، وهناك أسماء تلتحق بها المؤسسات في المخيال الجماعي، لأن الرأي العام يقرأ في مسار أصحابها ما هو أبعد من البطاقة الحزبية. ومن هذا المنطلق، لم يكن الإعلان الرسمي عن انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة حدثاً تنظيمياً عادياً، بل محطة سياسية كثيفة الدلالات، تكشف أن الاستعداد لانتخابات 2026 لم يعد يدور فقط حول البرامج، وإنما حول استقطاب الشخصيات التي تمتلك النفوذ والخبرة والقدرة على إدارة الدولة.

فالقرار الذي أعلنت عنه فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة العامة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال افتتاح أشغال المجلس الوطني للحزب، لا يمكن عزله عن السياق السياسي الذي تعيشه البلاد. فحين يعلن الحزب أن فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أصبح عضواً في مكتبه السياسي، إلى جانب ينجا الخطاط، رئيس مجلس جهة الداخلة – وادي الذهب، فإنه لا يضيف اسمين إلى هيكل تنظيمي فحسب، بل يبعث برسالة سياسية مفادها أن الحزب اختار أن يخوض المرحلة المقبلة برصيد من الكفاءات التي راكمت حضوراً داخل مؤسسات الدولة والإدارة الترابية والتدبير العمومي.

لكن الحدث لا يقتصر على حزب الأصالة والمعاصرة وحده، لأن السياسة المغربية، مثل كل الأنظمة الديمقراطية، تقوم أيضاً على قراءة الرموز. وفوزي لقجع لم يعد، منذ سنوات، مجرد مسؤول إداري داخل وزارة الاقتصاد والمالية، ولا مجرد رئيس لجامعة كرة القدم، بل تحول إلى واحد من أكثر الوجوه حضوراً في تدبير الملفات الكبرى للدولة، سواء تعلق الأمر بالميزانية، أو بالإصلاحات المالية، أو بالمشاريع الرياضية، أو بقيادة لجنة تنظيم كأس العالم 2030. ولذلك فإن انتقاله إلى العمل الحزبي يحمل دلالة تتجاوز الشخص، لتطرح سؤالاً عن طبيعة العلاقة بين الكفاءة التقنية والعمل السياسي.

لقد ظل المغرب، لعقود، يعيش نقاشاً دائماً حول الفاصل بين “التكنوقراط” والسياسيين. فهناك من يرى أن إدارة الدولة تحتاج إلى خبراء قادرين على اتخاذ القرار بعيداً عن الحسابات الانتخابية، بينما يرى آخرون أن الخبرة الإدارية لا تكتمل إلا بالشرعية السياسية التي يمنحها صندوق الاقتراع. وانضمام لقجع إلى حزب سياسي يبدو، في هذا السياق، وكأنه انتقال من مرحلة تدبير السياسات العمومية إلى مرحلة الدفاع عنها سياسياً أمام المواطنين.

غير أن هذا الانتقال يطرح، في المقابل، أسئلة لا تقل أهمية. فالرجل الذي ظل لسنوات مسؤولاً عن إعداد الميزانية العمومية للدولة، وعن واحدة من أكثر الوزارات حساسية، سيدخل الآن فضاء المنافسة الحزبية، حيث تتحول كل القرارات السابقة إلى موضوع للنقاش والجدل والمحاسبة السياسية. فالوزير الذي كان يتحدث بلغة الأرقام داخل المؤسسات، سيجد نفسه مطالباً بإقناع الناخبين بلغة السياسة، وهي لغة تختلف تماماً عن لغة الإدارة.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر إذا استحضرنا أن لقجع يجمع بين مواقع متعددة ذات تأثير كبير. فهو وزير منتدب مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وعضو بمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ورئيس لجنة تنظيم كأس العالم 2030 التي عينها الملك محمد السادس. وهذه المواقع جعلت اسمه مرتبطاً بصورة الدولة التي تنجز مشاريع كبرى وتدبر ملفات استراتيجية، أكثر مما ارتبط بصورة المسؤول الحزبي التقليدي.

ومن هنا، فإن دخوله المكتب السياسي لـ”البام” لا يمثل فقط تعزيزاً للحزب، بل يرفع أيضاً سقف الانتظارات الشعبية منه. فكل نجاح إداري أو رياضي حققه في السابق سيتحول إلى معيار يقاس به أداؤه السياسي مستقبلاً، كما أن كل قرار اتخذه داخل مؤسسات الدولة سيصبح قابلاً للنقاش داخل البرلمان، وفي وسائل الإعلام، وفي الحملات الانتخابية.

أما اختيار ينجا الخطاط، رئيس مجلس جهة الداخلة – وادي الذهب، للالتحاق هو الآخر بالمكتب السياسي، فيكشف عن بعد آخر في استراتيجية الحزب. فالداخلة ليست مجرد جهة ترابية، بل إحدى أهم واجهات المغرب في قضية الصحراء، وفي مشاريع الاستثمار الأطلسي، والربط الإفريقي، والتنمية الجنوبية. ولذلك فإن استقطاب أحد أبرز الفاعلين السياسيين في المنطقة يحمل رسالة تنظيمية مفادها أن الحزب يسعى إلى توسيع حضوره الترابي، ورسالة سياسية تؤكد رغبته في ربط مشروعه الحزبي بالمجالات التي تشكل أولويات استراتيجية للدولة.

وعندما تحدثت فاطمة الزهراء المنصوري عن انفتاح الحزب على “الكفاءات المحلية والجهوية والوطنية”، فإنها لم تكن تقدم فقط وصفاً تنظيمياً، بل كانت تعلن عن فلسفة سياسية جديدة تقوم على توسيع قاعدة الحزب عبر استقطاب شخصيات راكمت حضوراً داخل الإدارة والجهات والمؤسسات، بما يجعل الحزب أقرب إلى منصة لتجميع الخبرات منه إلى إطار حزبي تقليدي يعتمد فقط على التدرج التنظيمي الداخلي.

وهنا تظهر إحدى أهم التحولات التي تعرفها الحياة الحزبية المغربية. فالأحزاب لم تعد تتنافس فقط على البرامج أو الخطابات، بل أصبحت تتنافس على استقطاب الشخصيات التي تمتلك رأسمالاً مؤسساتياً أو مهنياً أو اجتماعياً، لأن الناخب لم يعد يصوت للشعار وحده، بل ينظر أيضاً إلى من يحمل ذلك الشعار، وما إذا كان يمتلك القدرة على التنفيذ.

لكن هذه الاستراتيجية ليست بلا تكلفة. فكلما ارتفع وزن الشخصية المستقطبة، ارتفع معها مستوى التدقيق في مسارها. ولذلك، فإن انضمام لقجع إلى حزب سياسي يعني أيضاً أن الملفات التي كانت تناقش سابقاً داخل المؤسسات أو في الإعلام بوصفها ملفات إدارية أو رياضية، ستتحول إلى ملفات سياسية بامتياز، وستصبح جزءاً من النقاش الانتخابي ومن الرقابة البرلمانية والإعلامية.

ولعل هذا ما يفسر أن الإعلان عن التحاقه بالحزب جاء في وقت لا تزال فيه الساحة الإعلامية تناقش متابعته القضائية لمدير نشر جريدة “المحرر”، على خلفية مقال تناول مصاريف بعثة رياضية. فالحدثان، وإن كانا منفصلين قانونياً، يلتقيان سياسياً، لأن الانتقال من موقع المسؤول الإداري إلى موقع الفاعل الحزبي يجعل كل طريقة في إدارة النقد، وكل أسلوب في التواصل مع الرأي العام، جزءاً من الصورة السياسية للمرشح.

إن السياسة الحديثة لا تقيس فقط كفاءة المسؤول في إدارة الملفات، بل تقيس أيضاً كفاءته في إدارة الأسئلة. فكلما اقترب المسؤول من صندوق الاقتراع، تقلصت المسافة بين القرار والمساءلة، واتسعت مساحة الحق في النقد، لأن الناخب لا يمنح صوته لمن يدير الملفات فقط، بل لمن يثق أيضاً في قدرته على شرحها والدفاع عنها أمام المجتمع.

ولذلك، فإن انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن اختزاله في خبر تنظيمي، بل يمثل بداية مرحلة جديدة في مساره الشخصي، وفي مسار الحزب نفسه. فهو انتقال من فضاء الإدارة إلى فضاء السياسة، ومن شرعية التعيين إلى البحث عن شرعية الاقتراع، ومن موقع صانع القرار داخل المؤسسات إلى موقع المدافع عنه أمام المواطنين.

وفي العمق، يكشف هذا الحدث عن تحول أوسع يعيشه المشهد الحزبي المغربي؛ حيث أصبحت الأحزاب تتجه أكثر فأكثر نحو استقطاب “رؤوس المال البشري” التي راكمت الخبرة داخل الدولة، في محاولة للجمع بين الكفاءة التقنية والشرعية السياسية. غير أن هذا الخيار يفتح، في الوقت نفسه، نقاشاً ديمقراطياً مشروعاً: هل يؤدي انتقال كبار المسؤولين التنفيذيين إلى قيادة الأحزاب إلى تجديد العمل السياسي، أم إلى تعزيز تداخل المجال الإداري مع المجال الحزبي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها البيانات الحزبية، ولا الخطابات الافتتاحية للمجالس الوطنية، وإنما ستقدمها الممارسة الديمقراطية نفسها. فالأحزاب تُقاس في النهاية بقدرتها على تحويل الكفاءات إلى مشاريع سياسية، وعلى تحويل النفوذ الإداري إلى ثقة شعبية، وعلى إقناع المواطنين بأن قوة الحزب لا تُقاس فقط بالأسماء التي يستقطبها، بل أيضاً بقدرته على إنتاج سياسات عمومية تحقق العدالة والنجاعة والمساءلة.

ولهذا، فإن إعلان التحاق فوزي لقجع وينجا الخطاط بالمكتب السياسي لـ”البام” ليس نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في الحياة السياسية المغربية، عنوانه الأبرز: هل تنجح الأحزاب في تحويل رصيد الدولة الإداري إلى رصيد ديمقراطي، أم أن الناخب سيظل يميز بين كفاءة المسؤول وشرعية السياسي؟