بنسليمان: توقيف المشتبه فيه الرئيسي في قضية تحريض طفل قاصر على استهلاك مادة مسكرة يفتح أسئلة الحماية والردع

0
118
Screenshot

في زمن أصبحت فيه المقاطع المصوّرة أقوى من البلاغات الرسمية، لم يعد الحدث مجرد واقعة معزولة، بل يتحول في لحظات إلى مرآة قاسية تعكس هشاشة الوعي الجماعي، وتضع المجتمع أمام أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها بالصمت أو التفاعل العابر.

قضية تحريض طفل قاصر على استهلاك مادة يشتبه في كونها مسكرة، بضواحي بنسليمان، ليست مجرد ملف أمني تحركت فيه الأجهزة بسرعة، بل هي واقعة أعادت فتح النقاش حول حدود الحماية، ومعايير الردع، ودور المجتمع الرقمي في تضخيم الانتهاك بدل حمايته. فانتشار الفيديو على منصات التواصل لم يكن مجرد نقل للخبر، بل إعادة إنتاج للأذى، حيث يصبح القاصر في قلب دائرة من الاستهلاك العلني لمعاناته، خارج أي اعتبار لخصوصيته أو كرامته.

التفاعل السريع الذي قامت به المديرية العامة للأمن الوطني، بتنسيق مع مصالح أخرى، يعكس دينامية واضحة في التعامل مع المحتوى الرقمي حين يتحول إلى دليل جنائي. فقد تم تحديد هوية المشتبه فيه الرئيسي وتوقيفه في ظرف وجيز، مع الإشارة إلى معطيات تفيد بوجود شراكة عائلية في الواقعة، وهو ما يضيف طبقة أكثر تعقيداً إلى الملف، حيث تختلط روابط القرابة بالفعل المجرم، ويتقاطع الخاص بالعنف الرمزي الموجه نحو طفل لا يملك أدوات الدفاع عن نفسه.

لكن خلف هذا المسار الأمني السريع، يطفو سؤال أعمق من حدود الواقعة: كيف تتحول بعض السلوكيات المنحرفة إلى محتوى قابل للتداول، دون وعي جماعي بخطورة إعادة نشره؟ هنا، لا يعود النقاش فقط حول من ارتكب الفعل، بل أيضاً حول من أعاد إنتاجه، ومن حوّله إلى مادة استهلاك رقمي، ومن ساهم – ولو بحسن نية – في ترسيخ الأثر النفسي على الطفل الضحية.

في هذا السياق، برز موقف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي نبّه إلى خطورة تصوير الطفل في وضع يمس كرامته، وإلى ما يمكن أن يترتب عن استمرار تداول المقطع من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد. وقد شددت آمنة بوعياش على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن إعادة نشر المحتوى دون طمس هوية القاصر لا يُعد مجرد خطأ رقمي، بل مساهمة غير مباشرة في تكريس الانتهاك.

غير أن المفارقة التي تفرض نفسها بقوة في مثل هذه القضايا، هي ذلك التناقض الصارخ في سرعة التفاعل الاجتماعي والقضائي مع بعض الجرائم، مقابل بطء أو صمت في قضايا أخرى ذات طبيعة مختلفة. هذا التفاوت لا يتعلق فقط بعمل المؤسسات، بل أيضاً بطريقة تشكل الرأي العام، الذي يختار أحياناً ما يراه “مثيراً” للتفاعل، أكثر مما يختار ما يستحق الاهتمام العادل والمتوازن.

من زاوية أوسع، تكشف هذه الواقعة عن إشكال بنيوي في العلاقة بين العدالة الرقمية والعدالة الواقعية. فبينما تتحرك المؤسسات بسرعة عندما يصبح الفعل موثقاً ومُتداولاً، تبقى العديد من الانتهاكات الأخرى خارج دائرة الضوء، إما لغياب التوثيق أو لضعف الاهتمام العام. هنا يتشكل نوع من “العدالة الانتقائية” التي يحركها أحياناً ضغط الصورة، لا فقط خطورة الفعل.

كما تطرح القضية سؤالاً موازياً حول دور المنصات الرقمية نفسها: هل هي مجرد فضاء محايد لنقل المحتوى، أم أنها أصبحت فاعلاً غير مباشر في إنتاج الضرر حين تغيب الضوابط الأخلاقية في إعادة النشر والمشاركة والتعليق؟ فكل إعادة نشر لمقطع يمس طفلاً، حتى في سياق الإدانة، تعني عملياً تمديد عمر الصدمة، وتحويلها إلى أثر دائم في الذاكرة الرقمية.

في النهاية، ما تكشفه هذه الواقعة لا يتعلق فقط بحدث عابر، بل بمنظومة كاملة من العلاقات بين الأسرة، والقانون، والمجتمع، والمنصات الرقمية. وهي منظومة تختبر اليوم قدرتها على حماية الأضعف فيها: الطفل الذي لا يملك صوتاً، لكنه يصبح فجأة في قلب ضجيج جماعي لا يهدأ.

ويبقى السؤال الذي يظل معلقاً بعد كل البلاغات والتعليقات: هل يكفي أن نتحرك بسرعة عندما تُنشر الجريمة، أم أن التحدي الحقيقي هو أن نبني وعياً يمنع تحولها إلى مادة للنشر أصلاً؟