بعد سبعين عاماً من “الارتباط الدائم”.. الرباط وباريس تستعدان لإعلان الطلاق التاريخي مع إرث الاستعمار

0
110

بينما تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا قبل نهاية سنة 2026، لا يبدو أن الأمر يتعلق بمجرد محطة دبلوماسية عادية في مسار العلاقات المغربية الفرنسية. فالمعطيات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية تتحدث عن تحضيرات متقدمة لتوقيع معاهدة صداقة وشراكة استراتيجية جديدة بين الرباط وباريس، يُنتظر أن تؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ العلاقات بين البلدين. وإذا كانت الزيارات الملكية إلى فرنسا لطالما شكلت محطات مهمة في مسار التعاون الثنائي، فإن ما يميز هذه الزيارة بالذات هو أنها تأتي محمولة برغبة معلنة في إعادة تعريف طبيعة الارتباط الذي جمع البلدين منذ الاستقلال، وطي صفحة إطار تاريخي استمر قرابة سبعين سنة.

ليس من قبيل الصدفة أن يستحضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من مرة اتفاقية “لاسيل سان كلو”، وأن يتحدث عن ضرورة بناء إطار جديد للعلاقة الاستراتيجية بين باريس والرباط يتلاءم مع تحولات القرن الحادي والعشرين. فحين يعود رئيس دولة بحجم فرنسا إلى وثيقة وُقعت في منتصف خمسينيات القرن الماضي، فإن الأمر لا يتعلق بالحنين إلى التاريخ، بل بإدراك أن العالم الذي أنجب تلك الاتفاقية لم يعد موجوداً، وأن المصالح والتوازنات التي حكمت العلاقة بين البلدين طوال عقود تحتاج اليوم إلى إعادة صياغة شاملة.

لفهم أهمية ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى تلك اللحظة المؤسسة. ففي خضم تصاعد المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، وبعد سنوات من نفي السلطان محمد بن يوسف إلى مدغشقر، دخلت فرنسا في مرحلة مراجعة عميقة لسياستها بالمغرب. كانت العمليات المسلحة تتوسع في المدن والبوادي، وكانت كلفة استمرار الاحتلال ترتفع سياسياً وأمنياً، فيما بدأت النخب الفرنسية نفسها تدرك أن العودة إلى ما قبل أزمة نفي السلطان أصبحت مستحيلة.

وسط ذلك المناخ المضطرب، جاءت المفاوضات التي قادت إلى اتفاقية “لاسيل سان كلو” في نونبر 1955، والتي منحت المغرب صفة “البلد المستقل المرتبط بفرنسا بروابط دائمة” فيما سمي آنذاك بـ”الارتباط المتبادل الإرادي”. لم تكن تلك الصيغة سوى محاولة سياسية لإدارة الانتقال من مرحلة الاستعمار المباشر إلى مرحلة النفوذ غير المباشر. فقد كان همّ المغرب آنذاك استعادة سيادته وضمان استمرارية الدولة ومؤسسة العرش، بينما كانت فرنسا تبحث عن صيغة تحفظ مصالحها ونفوذها في بلد تعرف أنه يتجه نحو الاستقلال الكامل.

سبعون سنة تقريباً مرت منذ تلك اللحظة. وخلال هذه العقود تغير كل شيء تقريباً. فرنسا التي كانت قوة استعمارية تفرض نفوذها العسكري والسياسي على مساحات واسعة من إفريقيا لم تعد تملك المكانة نفسها داخل مستعمراتها السابقة. نفوذها يتراجع في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وصورتها التقليدية كقوة مهيمنة لم تعد تحظى بالإجماع الذي كانت تتمتع به لعقود. كما أن أدوات نفوذها الثقافية والاقتصادية أصبحت تواجه منافسة متزايدة من قوى دولية وإقليمية جديدة.

في المقابل، لم يعد المغرب ذلك البلد الخارج للتو من الاستقلال. فقد راكم خلال العقود الأخيرة تحولات مؤسساتية واقتصادية ودبلوماسية عميقة، وأصبح فاعلاً إقليمياً يحظى بحضور متزايد داخل إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. كما نجح في بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية، وأصبح يتعامل مع القوى الكبرى بمنطق تنويع الحلفاء لا الارتهان لشريك واحد.

من هذا المنطلق يمكن فهم الحديث عن المعاهدة الجديدة باعتباره انعكاساً لتحول أعمق في ميزان العلاقات بين البلدين. فالمغرب اليوم لا يتفاوض من موقع الدولة الباحثة عن الحماية أو الرعاية السياسية، بل من موقع شريك يمتلك أوراق قوة حقيقية، سواء من خلال موقعه الجغرافي الاستراتيجي أو استقراره السياسي أو حضوره الاقتصادي المتنامي داخل القارة الإفريقية.

وفي قلب هذه المعادلة الجديدة يقف الاقتصاد باعتباره المحرك الأساسي للعلاقة المستقبلية. فالمغرب تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منصة صناعية إقليمية في مجالات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والبنيات التحتية. وأصبحت المملكة بالنسبة للشركات الأوروبية بوابة عملية نحو الأسواق الإفريقية التي تشهد نمواً متسارعاً. لذلك لا يتعلق الأمر فقط باستثمارات فرنسية جديدة داخل المغرب، بل ببناء فضاء اقتصادي مشترك يسمح للطرفين بالحفاظ على تنافسيتهما في عالم يشهد إعادة رسم سلاسل الإنتاج والتوريد.

أما الحديث عن نقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي والعسكري، فيعكس بدوره مستوى جديداً من الثقة السياسية بين البلدين. فالدول لا تنقل التكنولوجيا الحساسة بسهولة، ولا تفتح مجالات التصنيع الاستراتيجي إلا عندما تكون مقتنعة بأن العلاقة تجاوزت منطق الشراكة التجارية التقليدية إلى منطق المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد. وإذا تأكدت هذه التوجهات، فإنها ستكون مؤشراً على انتقال المغرب من مجرد مستورد للتكنولوجيا إلى شريك في إنتاجها وتطويرها.

غير أن الجانب الأكثر حساسية في هذه العلاقة يظل الجانب الثقافي واللغوي. ففرنسا تدرك أن نفوذها الحقيقي لا يقاس فقط بحجم استثماراتها أو مبادلاتها التجارية، بل أيضاً بقدرتها على المحافظة على موقع اللغة الفرنسية داخل المنظومة التعليمية والإدارية والاقتصادية المغربية. بالنسبة لباريس، تمثل اللغة الفرنسية أحد آخر معاقل نفوذها العالمي خارج أوروبا، ولذلك تنظر إلى أي تراجع لدورها داخل المغرب باعتباره خسارة استراتيجية تتجاوز حدود الثقافة والتعليم.

لكن المغرب بدوره يعيش تحولات مختلفة. فالأجيال الجديدة تنفتح بشكل متزايد على الإنجليزية بوصفها لغة الاقتصاد الرقمي والبحث العلمي والتكنولوجيا العالمية. لذلك يبدو أن التحدي الحقيقي أمام المملكة لا يكمن في الاختيار بين الفرنسية والإنجليزية، بل في بناء نموذج تعددي يجعل من التنوع اللغوي مصدر قوة بدل أن يتحول إلى موضوع صراع هوياتي أو جيوسياسي.

وفي البعد السياسي، تتجاوز رهانات المعاهدة الجديدة حدود العلاقات الثنائية. فالدعم الفرنسي المتزايد للموقف المغربي في قضية الصحراء يعكس إدراكاً متنامياً داخل باريس لأهمية المغرب كشريك استراتيجي في قضايا الأمن والهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي. كما أن الحديث عن فتح ملفات الأرشيف الاستعماري يكتسب أهمية رمزية خاصة، لأنه يعكس رغبة في معالجة بعض الملفات العالقة التي ظلت لعقود جزءاً من الذاكرة السياسية بين البلدين.

وتأتي كل هذه التحولات في سياق دولي شديد الاضطراب. فالحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتحولات الجيوسياسية المتسارعة داخل إفريقيا، كلها تدفع الدول إلى مراجعة تحالفاتها وإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. وفي مثل هذا السياق، يصبح بناء علاقات متوازنة ومستقرة مع شركاء موثوقين ضرورة أكثر منه خياراً سياسياً.

كما أن عودة الدفء إلى العلاقات المغربية الفرنسية لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالدولة المغربية، التي اعتمدت سياسة تنويع الشراكات الدولية، تبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأهمية الحفاظ على التوازن بين مختلف القوى الدولية المؤثرة. وفي المقابل، تدرك فرنسا أن الحفاظ على موقعها داخل المنطقة لم يعد ممكناً عبر منطق النفوذ التقليدي، بل عبر شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

لهذا تبدو المعاهدة المرتقبة أكبر من مجرد وثيقة سياسية جديدة. إنها تعبير عن نهاية مرحلة تاريخية كاملة بدأت مع استقلال المغرب، وعن محاولة مشتركة لإعادة تعريف العلاقة بين بلدين تغيرا معاً خلال سبعين سنة من التحولات المتسارعة. ففرنسا لم تعد فرنسا الخمسينيات، والمغرب لم يعد مغرب الخمسينيات، والعالم نفسه لم يعد ذلك العالم الذي ولدت فيه اتفاقية “لاسيل سان كلو”.

ويبقى السؤال الأهم بعد كل التوقيعات والبيانات الرسمية: هل نحن أمام مجرد تحديث قانوني لعلاقة قديمة، أم أمام ميلاد نموذج جديد للعلاقات بين دولة أوروبية كبرى ومستعمرة سابقة استطاعت، بعد سبعة عقود من الاستقلال، أن تفرض نفسها شريكاً لا تابعاً؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد المعنى التاريخي للزيارة الملكية المرتقبة إلى باريس، والمعنى الأعمق للمعاهدة التي قد تضع نهاية رمزية لمرحلة بدأت مع محمد الخامس وتفتح فصلاً جديداً في عهد محمد السادس.