4-0 لا تكفي لإخفاء الأسئلة القاتلة: هل يستعد المنتخب المغربي فعلاً لكأس العالم أم يعيد إنتاج نفس الدوّامة؟

0
94

في كرة القدم كما في الحياة، ليست كل الانتصارات مطمئنة، وليست كل النتائج الكبيرة دليلاً على أن الطريق أصبح سالكاً. أحياناً تنتهي المباراة بأربعة أهداف نظيفة، بينما يخرج جزء من الجمهور وهو يشعر بأن شيئاً ما لا يزال ناقصاً. فالأرقام قد تزين الواجهة، لكن التفاصيل الصغيرة داخل المستطيل الأخضر هي التي تكشف حقيقة الجاهزية عندما يتعلق الأمر بموعد بحجم كأس العالم.

هكذا بدا المشهد بعد الفوز العريض للمنتخب المغربي على مدغشقر برباعية نظيفة في المباراة الودية التي احتضنها مركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ضمن التحضيرات الأخيرة لمونديال 2026 الذي ستحتضنه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. النتيجة كانت مريحة، والأهداف حضرت، وبعض اللاعبين قدموا لمحات فردية جميلة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز عدد الأهداف المسجلة إلى طبيعة الأداء نفسه: هل أصبح المنتخب المغربي فعلاً جاهزاً لمواجهة مدارس كروية من حجم البرازيل واسكتلندا وباقي المنافسين في كأس العالم، أم أن الانتصار أخفى أسئلة مؤجلة لم تجد بعد من يجيب عنها؟

من تابع المباراة بعين الباحث عن التفاصيل أكثر من النتيجة، لاحظ أن المنتخب المغربي لا يزال يعيش مرحلة بحث عن شخصية جماعية مستقرة. صحيح أن السيطرة كانت واضحة وأن الفوارق الفنية بين المنتخبين كبيرة، لكن الانسجام الكامل بين الخطوط لم يكن حاضراً بالصورة التي ينتظرها الجمهور من منتخب يدخل نهائيات كأس العالم وهو يحمل إرث إنجاز تاريخي في مونديال قطر. في أكثر من لقطة بدا وكأن كل لاعب يحاول إثبات أحقيته بالمكان أكثر من سعيه إلى خدمة المنظومة الجماعية، وهو أمر مفهوم في المباريات التحضيرية لكنه يصبح مصدر قلق كلما اقترب موعد المنافسة الرسمية.

المشكلة ليست في الفوز على مدغشقر، فالفوز كان متوقعاً بحكم فارق الإمكانيات والخبرة والتصنيف. المشكلة أن المنتخب المغربي أصبح يقاس اليوم بمعايير مختلفة تماماً عما كان عليه قبل سنوات. بعد الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم، لم يعد الجمهور المغربي يبحث عن الانتصار على المنتخبات المتوسطة أو الضعيفة، بل أصبح يريد رؤية منتخب قادر على فرض شخصيته أمام القوى الكبرى، وقادر على إقناع المتابعين بأنه يملك مشروعاً تكتيكياً واضحاً وليس مجرد مجموعة من الأسماء اللامعة.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية المتعلقة بإدارة المرحلة الحالية. فالتجارب السابقة تركت جروحاً عميقة في ذاكرة الكرة المغربية. لسنوات طويلة كانت النتائج الإيجابية في المباريات الودية تتحول إلى مصدر مبالغة في التفاؤل، قبل أن تظهر الحقيقة عند أول اختبار رسمي قوي. كم من مدرب قُدّم للرأي العام باعتباره صاحب المشروع المنقذ؟ وكم من جهاز تقني استهلك ميزانيات ضخمة ورواتب مرتفعة ثم غادر دون أن يترك أثراً مؤسساتياً حقيقياً؟ لذلك أصبح جزء من الجمهور ينظر بحذر إلى كل خطاب يعتمد على لغة الأرقام والنتائج فقط.

في هذا السياق يجد محمد وهبي نفسه أمام تحدٍّ مختلف عن أسلافه. فهو لا يرث منتخباً يبحث عن التأهل إلى كأس العالم، بل منتخباً مطالباً بإثبات أن إنجاز قطر لم يكن استثناءً عابراً. وهذا يفرض عليه بناء توازن دقيق بين المحافظة على الروح التي صنعت الإنجاز السابق وبين تقديم أفكار جديدة قادرة على تطوير الأداء. غير أن ما ظهر حتى الآن يوحي بأن المشروع لا يزال في طور التشكل، وأن الصورة النهائية للفريق لم تتضح بعد.

اللافت أيضاً أن النقاش لم يعد يقتصر على الجانب التكتيكي فقط، بل امتد إلى هوية المنتخب نفسها. فخلال السنوات الأخيرة أصبح المنتخب الوطني يعتمد بشكل واسع على لاعبين تكونوا في مدارس أوروبية مختلفة، وهو خيار منح المغرب قيمة فنية كبيرة دون شك، لكنه طرح في الوقت نفسه نقاشاً حول مكانة اللاعب المحلي ومسارات التكوين داخل البطولة الوطنية. فحين يصبح أغلب المنتخب نتاج أكاديميات خارج البلاد، يتحول السؤال من اختيار اللاعبين إلى تقييم المنظومة الكروية الوطنية بأكملها: هل تنتج الأندية المغربية ما يكفي من المواهب القادرة على المنافسة عالمياً؟ أم أن المنتخب يعيش على استثمار تراكمات أنظمة تكوين أجنبية؟

ومن زاوية أخرى، يثير برنامج المباريات الودية نفسه تساؤلات مشروعة. فاختيار المنافسين ليس مجرد عملية تنظيمية، بل جزء من بناء الجاهزية النفسية والتكتيكية. مواجهة منتخبات متواضعة قد تمنح الثقة وتسمح بتجريب بعض الحلول، لكنها لا تكشف حقيقة القدرة على التعامل مع الضغط العالي أو الإيقاع السريع أو القوة البدنية التي تميز المنتخبات الكبرى. لهذا تبدو المباراة المقبلة أمام النرويج أكثر أهمية من مواجهة مدغشقر، لأنها ستضع المنتخب أمام خصم أقرب إلى طبيعة التحديات التي تنتظره في المونديال.

لكن ربما يكمن التحدي الأكبر خارج أرضية الملعب. فالمشكلة التي واجهت الكرة المغربية لعقود لم تكن دائماً في جودة اللاعبين أو كفاءة المدربين، بل في ثقافة التقييم نفسها. فعندما يتحول الفوز إلى أداة لإسكات النقد، وعندما تُعتبر الملاحظات التقنية نوعاً من التشكيك أو السلبية، يصبح من الصعب تصحيح الأخطاء في الوقت المناسب. المنتخبات الكبرى لا تتطور لأنها تنتصر فقط، بل لأنها تملك الشجاعة لمراجعة نفسها حتى بعد الانتصارات.

ولهذا فإن ما يحتاجه المنتخب المغربي اليوم ليس الاحتفال برباعية في مباراة ودية، ولا الدخول في حالة تشاؤم بسبب بعض الثغرات، بل بناء نقاش رياضي ناضج يفصل بين النتيجة والأداء. فالنتيجة تقول إن المغرب فاز بأربعة أهداف نظيفة، أما الأداء فيقول إن هناك عملاً لا يزال مطلوباً على مستوى الانسجام والفعالية والهوية التكتيكية أمام منافسين أقوى وأكثر تنظيماً.

وعندما تنطلق صافرة البداية في كأس العالم، لن يتذكر أحد عدد الأهداف التي سجلها المغرب في شباك مدغشقر أو غيرها من المباريات التحضيرية. ما سيتذكره الجميع هو ما إذا كان المنتخب قادراً على مقارعة الكبار مرة أخرى أم لا. فالمونديال لا يكافئ من يربح المباريات الودية، بل يكافئ من يحول التحضير إلى مشروع حقيقي، ومن يجعل الجماهير تؤمن بما تراه داخل الملعب لا بما تسمعه في المؤتمرات الصحافية.

وربما لهذا السبب يبقى السؤال الأهم معلقاً فوق كل انتصار تحضيري: هل نشاهد اليوم منتخباً يبني طريقاً جديداً نحو إنجاز عالمي أكبر، أم أننا نكرر الحلقة القديمة نفسها التي تجعل النتائج المؤقتة تحجب عنا الأسئلة التي لا يجيب عنها إلا المونديال؟