الجامعة الوطنية للمنعشين العقاريين في قلب معركة إفريقيا الكبرى من الرباط: تمويل المدن وصناعة السكن ورهان المستقبل

0
160

يبدو للوهلة الأولى أن مشاركة الجامعة الوطنية للمنعشين العقاريين في افتتاح الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة السنوية لـ Shelter Afrique Development Bank بالرباط ليست سوى حضور مؤسساتي اعتيادي في ملتقى إفريقي متخصص في السكن والتنمية الحضرية. غير أن قراءة أعمق لخلفيات هذا الحدث تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد مشاركة في معرض أو حضور جلسات رسمية، ليعكس تحولات أوسع يعيشها قطاع العمران والإسكان في إفريقيا، ويضع المغرب في قلب نقاش استراتيجي حول مستقبل المدن الإفريقية وكيفية تمويلها في زمن تتقاطع فيه تحديات النمو الديموغرافي والتغير المناخي وارتفاع الطلب على السكن اللائق. وقد اختارت المؤسسة المنظمة لهذه الدورة المنعقدة بالرباط شعار «مستقبل المدن: تمويل تنمية حضرية شاملة وخضراء وقادرة على الصمود»، وهو شعار يعكس حجم الرهانات المطروحة أمام القارة الإفريقية خلال العقود المقبلة.

فإفريقيا التي تعرف واحدة من أسرع معدلات التوسع الحضري في العالم تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ مدن تكبر بوتيرة متسارعة، وطلب متزايد على السكن والخدمات الأساسية والبنيات التحتية، مقابل محدودية الموارد المالية وارتفاع كلفة الاستثمار في مشاريع عمرانية مستدامة. ولهذا لم يعد النقاش اليوم يدور فقط حول بناء المنازل أو إنجاز التجزئات السكنية، بل حول كيفية خلق مدن قادرة على احتضان ملايين السكان الجدد دون أن تتحول إلى بؤر للهشاشة الاجتماعية أو الاختلالات البيئية.

ومن هذا المنطلق تكتسب مشاركة الجامعة الوطنية للمنعشين العقاريين دلالة خاصة، لأنها تأتي في لحظة تاريخية أصبح فيها القطاع العقاري مطالباً بأدوار جديدة تتجاوز منطق الإنتاج الكمي للسكن نحو المساهمة في صياغة نموذج حضري أكثر استدامة وابتكاراً. فالمنعش العقاري لم يعد مجرد فاعل اقتصادي يبحث عن الربح والاستثمار، بل أصبح شريكاً في إنتاج المدينة نفسها، بما تحمله من رهانات اجتماعية واقتصادية وبيئية. ولذلك فإن وجود الفيدرالية المغربية إلى جانب مؤسسات التمويل والتنمية وصناع القرار والخبراء القادمين من مختلف الدول الإفريقية يعكس رغبة في الاندماج ضمن دينامية قارية تبحث عن حلول جديدة لأزمة السكن والتمويل الحضري.

ويكتسب انعقاد هذا الحدث في الرباط أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب في النقاش الإفريقي حول التنمية الحضرية. فالمملكة تقدم نفسها اليوم كنموذج لتجارب التحول العمراني والتخطيط الحضري المندمج، مستفيدة من عقود من الاستثمار في البنيات التحتية وسياسات السكن والتأهيل الحضري. كما أن احتضان الرباط لهذا الموعد القاري يعكس الثقة المتزايدة في قدرة المغرب على لعب دور منصة للحوار والتعاون جنوب–جنوب في قضايا السكن والمدينة والتنمية المجالية.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن مثل هذه التظاهرات تفتح آفاقاً جديدة أمام الفاعلين المغاربة في قطاع العقار والبناء. فوجود مستثمرين ومؤسسات تمويل دولية وبنوك تنموية وهيئات حكومية من عشرات الدول الإفريقية يخلق فرصاً لتبادل التجارب وبناء شراكات عابرة للحدود، خصوصاً في ظل التوجه المتزايد نحو تمويل مشاريع السكن الميسر والبنيات التحتية المقاومة للتغيرات المناخية. كما يسمح للمقاولات المغربية بعرض خبراتها واستكشاف أسواق جديدة داخل القارة التي أصبحت تمثل أحد أهم فضاءات النمو المستقبلي في العالم.

وفي هذا السياق، يكتسب رواق الجامعة الوطنية للمنعشين العقاريين داخل المعرض المصاحب للملتقى معنى يتجاوز البعد التواصلي. فهو يعكس رغبة في تقديم التجربة المغربية باعتبارها جزءاً من الحلول الممكنة لمعضلات السكن الإفريقي، وفي الوقت نفسه الاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة وتحقيق الإدماج الاجتماعي. فالنقاشات التي تشهدها هذه الاجتماعات لا تتعلق فقط بالأموال والتمويلات، بل تشمل أيضاً الحكامة الحضرية والتخطيط الذكي واستخدام التكنولوجيا الحديثة وتحسين جودة الحياة داخل المدن.

لكن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء القاري لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو حجم الاتفاقيات المحتملة، بل في الرسالة التي يحملها بشأن مستقبل إفريقيا الحضرية. فالقارة التي كانت تُعرف لعقود طويلة بكونها قارة الأرياف أصبحت اليوم قارة المدن بامتياز، ما يجعل سؤال السكن والتنمية الحضرية واحداً من أكبر التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال العقود القادمة. ومن هنا يصبح تمويل المدن ليس مجرد قضية تقنية تخص البنوك والمؤسسات المالية، بل رهاناً يتعلق بالعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي وجودة حياة ملايين المواطنين.

وفي نهاية المطاف، فإن مشاركة الجامعة الوطنية للمنعشين العقاريين في هذا الموعد الإفريقي الكبير تبدو انعكاساً لتحول أعمق يعيشه القطاع العقاري المغربي نفسه؛ تحول من منطق البناء التقليدي إلى منطق المساهمة في صناعة مدينة المستقبل. وهي مدينة لا تُقاس فقط بعدد العمارات التي تُشيَّد، بل بقدرتها على أن تكون أكثر شمولاً واستدامة ومرونة في مواجهة التحديات القادمة. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء أشغال الرباط ليس كيف نمول المدن فقط، بل أي مدن نريد أن نورثها للأجيال القادمة في إفريقيا التي تتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى؟