في القاعات الفاخرة للفنادق، تبدو الرياضة المغربية دائماً في أفضل حالاتها. تقارير أدبية ومالية، عروض للميزانيات، اتفاقيات مواكبة، مخططات للتكوين، ولجان تقنية تتحدث عن الحكامة والتقييم والتأطير. لكن بمجرد مغادرة القاعة والعودة إلى الملاعب والقاعات الرياضية ومراكز التكوين، يطرح الواقع سؤالاً مختلفاً تماماً: أين هي النتائج؟
هذا السؤال عاد بقوة بمناسبة انعقاد الجمع العام العادي للجنة الوطنية الأولمبية المغربية يوم الخميس 6 يونيو 2026 بأحد فنادق ضاحية مارينا سلا، والذي خصص للتداول في التقريرين الأدبي والمالي لسنة 2025، وعرض تقرير مراقب الحسابات، ومناقشة مشروع الميزانية التوقعية لسنة 2026، إضافة إلى المصادقة على مراقب الحسابات، وذلك في سياق التحضيرات الجارية لدورة الألعاب الأولمبية المقبلة والاتفاقيات المبرمة مع عدد من الجامعات الرياضية.
ظاهرياً يبدو كل شيء طبيعياً داخل المؤسسة التي يفترض أنها تمثل الواجهة العليا للرياضة الأولمبية المغربية. غير أن القراءة المتأنية للمشهد تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول القيمة المضافة الحقيقية التي تقدمها اللجنة الأولمبية للجامعات الرياضية وللمنظومة الرياضية الوطنية بشكل عام.
فاللجنة الأولمبية المغربية اجتهدت خلال السنوات الأخيرة في تنظيم برامج تكوينية متعددة، كما تدخلت إدارتها التقنية في بعض ملفات التأطير والمعايير المرتبطة بانتقاء المنتخبات الوطنية ومواكبة الاستعدادات الخاصة بالمشاركات الدولية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل أصبح التكوين هدفاً في حد ذاته أم وسيلة لإنتاج أبطال ونتائج؟
في العلوم الرياضية الحديثة لا يمكن الحديث عن التكوين قبل الحديث عن القاعدة. فالتكوين يشبه بناء الطابق العاشر من بناية لم يتم بعد تشييد أساساتها. كيف يمكن الحديث عن تأهيل الأطر بينما عدد من الجامعات ما زالت تفتقر إلى بطولات قوية ومنتظمة؟ وكيف يمكن الحديث عن الحكامة الرياضية في غياب منظومات احترافية قادرة على إنتاج المواهب بشكل مستمر؟ وكيف يمكن الحديث عن التأطير العلمي بينما آلاف الأطفال في مناطق واسعة من المغرب لا يجدون أصلاً فضاءات رياضية قريبة أو برامج اكتشاف للمواهب؟
هنا تظهر إحدى المعضلات الكبرى للرياضة المغربية. فغالبية النقاشات تدور حول المنتخب الوطني والنخبة الرياضية والاستعداد للمنافسات الدولية، بينما تظل الحلقة الأهم، أي القاعدة الرياضية، الحلقة الأضعف في المنظومة بأكملها.
ولعل المقارنة مع اللجان الأولمبية في الدول الرائدة رياضياً تكشف حجم الفارق. فاللجنة الأولمبية الأمريكية لا تكتفي بالمواكبة الإدارية للاتحادات الرياضية، بل تتحرك داخل منظومة متكاملة تضم الجامعات والمؤسسات التعليمية والبحث العلمي والرعاة الاقتصاديين وشبكات اكتشاف المواهب. والأمر نفسه بالنسبة للجنة الأولمبية البريطانية التي أعادت بناء الرياضة البريطانية بعد إخفاقات تسعينيات القرن الماضي عبر مشروع وطني طويل الأمد قائم على الاستثمار في المواهب والبنيات التحتية والعلوم الرياضية.
أما في فرنسا وأستراليا وكندا، فإن اللجنة الأولمبية ليست مجرد هيئة تنسيقية تعقد الاجتماعات وتوقع الاتفاقيات، بل تشكل جزءاً من منظومة وطنية متكاملة تشتغل يومياً على إنتاج الرياضي الأولمبي منذ طفولته إلى لحظة صعوده منصة التتويج.
في المغرب، ما زالت الصورة مختلفة نسبياً. فالجامعات الرياضية نفسها تعاني تفاوتاً كبيراً في الإمكانيات والبنيات والتسيير والقدرة على إنتاج الأبطال. وبعضها ما زال يبحث عن الاستقرار المؤسساتي قبل التفكير في المنافسة الأولمبية. ولذلك فإن أي حديث عن المواكبة أو التكوين يظل محدود الأثر إذا لم يكن جزءاً من رؤية وطنية شاملة تبدأ من المدرسة والحي والجامعة وتنتهي بمنصة التتويج.
ومن زاوية أخرى، فإن المتابعين للشأن الرياضي لاحظوا أن طرق المواكبة الحالية لا تختلف كثيراً عن تلك التي عرفتها الدورات الأولمبية السابقة، باستثناء اعتماد آليات تقييم دوري أكثر دقة في الاتفاقيات الجديدة الخاصة بالتحضير للألعاب الأولمبية المقبلة. وهو تطور مهم من حيث الشكل، لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال الجوهري المرتبط بالمردودية والنتائج.
فإذا كانت الرياضة المغربية قد حققت إنجازات فردية لافتة خلال السنوات الأخيرة، فإن جزءاً مهماً منها ارتبط بمجهودات استثنائية لأبطال ومدربين وجامعات معينة أكثر مما ارتبط بوجود منظومة أولمبية متكاملة. وهنا يبرز السؤال الحساس: هل تصنع المؤسسات الرياضية المغربية الإنجاز أم أن الإنجاز ما زال يصنع نفسه رغم اختلالات المنظومة؟
كما يثير جدول أعمال هذا الجمع العام ملاحظة قانونية لا تخلو من أهمية، تتعلق بغياب أي نقطة مرتبطة بتنفيذ مقتضيات النظام الأساسي الخاصة بتعويض الأعضاء الذين فقدوا الصفة التي تخول لهم عضوية المكتب التنفيذي للجنة. وهي مسألة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها ترتبط في العمق بمبادئ الحكامة والالتزام بالمقتضيات التنظيمية داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في احترام القواعد القانونية.
ويزداد النقاش أهمية إذا استحضرنا أن الدعوة إلى الجمع العام توجه إلى جميع رؤساء الجامعات الرياضية، بينما يظل حق التصويت والترشح محصوراً في رؤساء الجامعات الأولمبية المعترف بها من طرف اللجنة الأولمبية الدولية. وهنا تطرح بدورها أسئلة مرتبطة بمدى إشراك مختلف مكونات الحركة الرياضية الوطنية في صناعة القرار الأولمبي المغربي.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو حجم الميزانية التي ستتم المصادقة عليها أو عدد الاتفاقيات التي سيتم توقيعها أو عدد الدورات التكوينية التي ستنظم خلال السنوات المقبلة. السؤال الحقيقي الذي ينتظر الرياضي المغربي جواباً عنه هو: كم بطلاً أولمبياً جديداً ستصنع هذه السياسات؟
فاللجنة الأولمبية لا تُقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد التقارير التي تصادق عليها، بل بعدد الأبطال الذين تخرجهم، وعدد الرياضات التي تنهض بها، وعدد الأطفال الذين يتحول حلمهم الرياضي إلى مشروع نجاح حقيقي.
وعندما ننظر إلى حصيلة الرياضة المغربية اليوم، يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل نملك بالفعل منظومة أولمبية تنتج الإنجاز بشكل مستدام، أم أننا ما زلنا نحتفل بين دورة أولمبية وأخرى باستثناءات فردية تخفي هشاشة البناء الرياضي من الأساس؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يكون على طاولة كل جمع عام، قبل أي تقرير أدبي أو مالي، لأنه السؤال الوحيد الذي يصنع المستقبل.