لجنة تقصي حقائق “دعم المواشي”.. الملف الذي يطارد الأغلبية الحكومية بين غضب الشارع وأسئلة المال العام

0
110

عندما يتحول دعم المواشي إلى أزمة ثقة… هل ما زالت الحكومة تؤدي وظيفتها الأصلية تجاه المواطن؟

لم يعد الجدل الدائر حول دعم استيراد المواشي في المغرب مجرد نقاش تقني يتعلق بالأرقام أو بالإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة أزمة تراجع القطيع الوطني وارتفاع أسعار اللحوم. لقد تجاوز الملف حدود الاقتصاد والفلاحة ليصبح مرآة تعكس سؤالاً أكبر وأكثر عمقاً: ما الدور الحقيقي للحكومة في حياة المواطنين؟ وهل ما تزال السياسات العمومية تُصاغ انطلاقاً من حاجات المجتمع أم أنها أصبحت تدور داخل دوائر مغلقة لا يصل أثرها إلى المواطن الذي يفترض أن يكون المستفيد الأول من كل قرار عمومي؟

ففي الأنظمة الديمقراطية الحديثة لا تُقاس الحكومات بعدد البلاغات التي تصدرها ولا بحجم الأموال التي تعلن عن تخصيصها، بل بمدى قدرة المواطن على الشعور بنتائج تلك السياسات في حياته اليومية. المواطن لا يحاكم الحكومات عبر لغة الأرقام وحدها، بل عبر ثمن اللحم الذي يشتريه، وجودة المدرسة التي يرسل إليها أبناءه، وسهولة الولوج إلى العلاج، وفرص الشغل التي تضمن له حياة كريمة. وعندما تنفق الدولة مئات الملايين من الدراهم لدعم قطاع معين ثم لا ينعكس ذلك بشكل واضح على الأسعار أو على القدرة الشرائية، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بجدوى الدعم، بل بفعالية النموذج الكامل لتدبير المال العام.

من هنا يكتسب النقاش حول لجنة تقصي الحقائق بشأن دعم المواشي كل هذه الحساسية السياسية والشعبية. فالقضية لا ترتبط فقط بمبلغ مالي أو بمسطرة إدارية، بل تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن. فالحكومة بررت إجراءاتها الاستثنائية بالرغبتها في حماية السوق الوطنية وتأمين العرض والحد من ارتفاع الأسعار، غير أن شريحة واسعة من المواطنين لم تلمس النتائج الموعودة على أرض الواقع. بل إن كثيراً من الأسر وجدت نفسها عاجزة عن مجاراة أسعار اللحوم خلال فترات طويلة، فيما تحولت مناسبة عيد الأضحى بالنسبة لآلاف العائلات إلى عبء اقتصادي ثقيل أو إلى شعور بالعجز عن ممارسة شعيرة دينية ارتبطت تاريخياً بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسرة المغربية.

هنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي: إذا كانت الحكومة قد تدخلت وضخت دعماً مالياً مهماً، فلماذا لم تتحقق الأهداف المعلنة بالشكل الذي كان ينتظره المواطن؟ وهل يتعلق الأمر بخلل في تصميم السياسات العمومية؟ أم بضعف آليات المراقبة والتتبع؟ أم أن جزءاً من الدعم لم يصل إلى غايته الاقتصادية والاجتماعية بالشكل المطلوب؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل مطلب تقصي الحقائق يبدو بالنسبة للكثيرين أمراً طبيعياً في دولة تقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا مجرد معركة بين الأغلبية والمعارضة.

اللافت في هذا الملف أن الإحراج لم يعد يطوق المعارضة أو الحكومة وحدها، بل امتد إلى مكونات الأغلبية نفسها. فحين تبدأ أصوات من داخل أحزاب الأغلبية في الحديث عن ضرورة الكشف عن المعطيات الكاملة، فإن الأمر يصبح مؤشراً على أن النقاش تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة ليدخل منطقة تتعلق بمصداقية المؤسسات نفسها. ذلك أن الرأي العام لم يعد يطالب فقط بمعرفة حجم الأموال التي صُرفت، بل يريد معرفة من استفاد منها، وكيف صُرفت، وما هي النتائج التي حققتها فعلاً.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن الملف يرتبط مباشرة بمفهوم الحكامة الجيدة. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على الإنفاق، بل بقدرتها على تقييم أثر إنفاقها. الإنفاق العمومي ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة. وعندما تغيب مؤشرات الأثر الواضحة، أو عندما يستمر الإحساس الشعبي بأن الأسعار لم تنخفض وأن المعاناة ما زالت قائمة، فإن الثقة تبدأ في التآكل حتى لو كانت النوايا الأصلية للسياسات العمومية سليمة.

الأمر لا يتعلق بالمواشي فقط. فملف دعم المواشي يعيد إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول وظيفة الدولة الاجتماعية في المغرب. فالمواطن الذي يواجه غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة لا يهتم كثيراً بالتفاصيل التقنية للبرامج الحكومية بقدر ما يهتم بالنتيجة النهائية. لذلك أصبح النقاش حول اللحوم في جوهره نقاشاً حول القدرة الشرائية، والنقاش حول القدرة الشرائية هو في النهاية نقاش حول العدالة الاجتماعية وجودة السياسات العمومية.

في هذا السياق تبدو مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق أكثر من مجرد أداة رقابية برلمانية. إنها اختبار حقيقي لمدى استعداد المؤسسات السياسية لممارسة الرقابة على نفسها بنفسها. فحين تكون الأموال أموالاً عمومية، وحين تكون النتائج محل نقاش واسع، يصبح البحث عن الحقيقة جزءاً من حماية الثقة العامة وليس استهدافاً لأي جهة بعينها. بل إن الديمقراطيات القوية لا تخشى التحقيق، لأنها تعتبره وسيلة لتصحيح الاختلالات وتعزيز الشفافية.

وإذا كان الدستور يمنح البرلمان صلاحيات واسعة في مجال الرقابة والمحاسبة، فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في عدد التوقيعات المطلوبة لتشكيل اللجنة أو في الاصطفافات الحزبية المؤقتة، بل في الرسالة التي ستصل إلى المواطن. فهل ستنتصر إرادة الكشف عن الحقائق كاملة؟ أم أن الحسابات السياسية ستطغى على حق الرأي العام في المعرفة؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بخروف أو بقرة أو بدعم مالي هنا وهناك. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالسؤال الذي يرافق كل تجربة حكومية في العالم: هل وُجدت الحكومة لخدمة المواطن أم أصبح المواطن مطالباً دائماً بتبرير إخفاقات السياسات الحكومية؟

فالدولة التي تنجح ليست تلك التي تنفق أكثر، بل تلك التي تجعل المواطن يشعر بأن كل درهم من المال العام عاد عليه أمناً أو خدمة أو فرصة أو كرامة. أما حين تتسع المسافة بين الخطاب والواقع، وبين الوعود والنتائج، فإن أخطر ما يُستنزف لا يكون المال العام، بل الرصيد الأهم لأي دولة: ثقة مواطنيها.

وعند هذه النقطة تحديداً يصبح ملف دعم المواشي مجرد عنوان كبير لسؤال أكبر بكثير: إذا كانت الوظيفة الأساسية للحكومة هي حماية القدرة الشرائية وتحقيق التنمية وضمان العدالة الاجتماعية، فكيف يمكن تفسير اتساع شعور المواطنين بأنهم يدفعون ثمن الأزمات أكثر مما يستفيدون من حلولها؟