
في روايات نجيب محفوظ لا تتحرك الشخصيات الكبرى عادةً بالصوت المرتفع. كانت تجلس في المقهى أو عند نافذة مطلة على زقاق قديم، تراقب ما يجري حولها وتدرك أن أخطر التحولات ليست تلك التي تبدأ بالضجيج، وإنما تلك التي تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة ثم تغيرها بالكامل. هكذا يبدو الشرق الأوسط اليوم بعد التفاهم الأمريكي الإيراني الذي أُعلن خلال يونيو 2026 الجاري.
فالاتفاق، وفق ما نشرته وكالات الأنباء الدولية والتقارير الأولية الصادرة عن الطرفين، لا يمثل نهاية الصراع بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة من إدارة التوازنات الإقليمية. وهو يفتح باباً واسعاً أمام سؤال أكثر أهمية من تفاصيل الاتفاق نفسه: من سيحرس الاستقرار في الشرق الأوسط إذا قررت واشنطن وطهران الانتقال من المواجهة المباشرة إلى التفاوض الطويل؟
لقد اعتادت المنطقة طوال عقود أن تنظر إلى الأمن باعتباره نتاجاً لتوازن القوى الدولية. لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الشرق الأوسط أصبح أكبر من أن تديره قوة واحدة، وأعقد من أن يُختزل في صراع ثنائي بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل ومحور المقاومة. ولهذا فإن المسؤولية تنتقل اليوم بصورة متزايدة إلى القوى الإقليمية الكبرى.
في مقدمة هذه القوى تأتي مصر.
فالقاهرة تنظر إلى أمن الشرق الأوسط من زاوية مختلفة نسبياً عن بقية الأطراف. فالرؤية المصرية تقوم على فكرة الدولة الوطنية واستقرار المؤسسات ورفض انهيار الكيانات السياسية. ومن هذه الزاوية يبدو الدور المصري ضرورياً في المرحلة المقبلة لثلاثة أسباب رئيسية.
أولها: أن مصر تمتلك شبكة علاقات تسمح لها بالحديث مع معظم الأطراف المتصارعة. وثانيها: أنها لا تنظر إلى التمدد الإيراني باعتباره ملفاً منفصلاً عن القضية الفلسطينية أو عن استقرار الدول العربية. وثالثها: أن القاهرة تدرك أن أي فراغ إقليمي سرعان ما تملؤه قوى غير دولية أو مشاريع عابرة للحدود.
أما المملكة العربية السعودية فتجد نفسها أمام لحظة استراتيجية مختلفة. فالرياض أحد أهم مراكز الثقل السياسي والاقتصادي في المنطقة. وهي تدرك أن أي تخفيف للعقوبات على إيران أو أي انفتاح اقتصادي جديد عليها يجب ألا يتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ الإقليمية التي أثارت القلق العربي طوال السنوات الماضية.
لكن السعودية في الوقت ذاته تدرك أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لإنجاح مشاريعها التنموية العملاقة. ولهذا فإن دورها المتوقع لن يكون قائماً على المواجهة المباشرة، بل على بناء منظومة ردع سياسي واقتصادي تجعل التعاون الإقليمي أكثر جاذبية من الصراع.
ثم تأتي تركيا.
فأنقرة تنظر إلى المنطقة بعينين؛ عين جغرافية: ترى المشرق العربي والبحر الأسود وشرق المتوسط باعتبارها ساحات متصلة، وعين استراتيجية تدرك أن أي خلل كبير في توازنات الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على الأمن التركي.
ومن هنا تبدو تركيا مطالبة بلعب دور مزدوج: المساهمة في احتواء التنافس الإيراني من جهة، والعمل على منع انزلاق المنطقة إلى استقطابات حادة من جهة أخرى. فأنقرة تعرف جيداً أن الفراغات الجيوسياسية لا تبقى فارغة طويلاً، وأن الفوضى في الإقليم غالباً ما تنتج تحديات أمنية واقتصادية تتجاوز حدودها الوطنية.
أما باكستان، التي لعبت دور الوسيط في التفاهم الأمريكي الإيراني وفق ما أعلنته الأطراف المعنية، فإن موقعها الجديد يفتح أمامها فرصة نادرة للتحول من مراقب للأحداث إلى مساهم في تشكيلها.
فإسلام آباد تمتلك علاقات مع العالم العربي وإيران وتركيا والصين والولايات المتحدة في آن واحد. وهذه الميزة تمنحها قدرة على المساعدة في بناء جسور الحوار عندما تتعثر القنوات الأخرى. كما أن استقرار الخليج يمثل مصلحة باكستانية مباشرة بحكم الروابط الاقتصادية والبشرية الواسعة بين الجانبين.
ثم تأتي قطر، التي اكتسبت خلال العقدين الماضيين خبرة كبيرة في إدارة الوساطات المعقدة. وتشير تحليلات عديدة إلى أن الدوحة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة بين الأطراف المختلفة، خصوصاً في الملفات التي يصعب فيها الوصول إلى حلول سريعة. كما أن شبكة علاقاتها المتنوعة تجعلها قادرة على المساهمة في تخفيف حدة الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة.
لكن السؤال الأكبر لا يتعلق بأدوار هذه الدول منفردة، بل بقدرتها على العمل بصورة جماعية.
فهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: التمدد الإيراني لا يزال يمثل مصدر قلق لدى عدد من الدول العربية، حتى في ظل التفاهم الجديد مع واشنطن. وتقديرات بعض مراكز الدراسات الغربية تشير إلى أن طهران ستسعى بعد الاتفاق إلى إعادة ترتيب أدوات نفوذها الإقليمية والحفاظ على أوراق القوة التي تمتلكها في عدد من الساحات.
وفي المقابل، فإن المشروع الإسرائيلي يظل عاملاً رئيسياً في معادلة عدم الاستقرار. فالكثير من الباحثين الأوروبيين والعرب يرون أن استمرار غياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، واستمرار السياسات التوسعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يساهمان في تغذية دورات التوتر الإقليمي ويضعفان فرص بناء نظام أمني مستدام.
ولهذا فإن المطلوب من القوى الإقليمية الكبرى ليس فقط احتواء النفوذ الإيراني أو مواجهة التوسع الإسرائيلي كلٌ على حدة، وإنما صياغة رؤية مشتركة للأمن الإقليمي تقوم على عدة أسس: احترام سيادة الدول، منع التدخلات الخارجية، حماية الممرات البحرية، دعم التنمية الاقتصادية، وإحياء المسارات السياسية للصراعات المزمنة.
وتزداد أهمية هذه المهمة إذا أخذنا في الاعتبار أن الشرق الأوسط ما زال ساحة لتقاطعات مصالح القوى الكبرى. فالولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي تنظر جميعها إلى المنطقة باعتبارها فضاءً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه. ولذلك فإن أي فراغ في التنسيق الإقليمي قد يتحول سريعاً إلى ساحة تنافس دولي جديد.
ربما كان نجيب محفوظ سيصور المشهد كرواية طويلة يجلس أبطالها في ساحة واحدة، يحمل كل منهم ذاكرته ومخاوفه وطموحاته. بعضهم يخشى الماضي، وبعضهم يطارد المستقبل، لكن الجميع يدرك أن استمرار الخصومات القديمة لن يبني مدينة جديدة.
وهكذا يبدو الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني. فالفرصة متاحة أمام القوى الإقليمية الكبرى لكي تتحول من أطراف تتفاعل مع الأزمات إلى شركاء في صياغة الاستقرار. وإذا نجحت القاهرة والرياض وأنقرة وإسلام آباد والدوحة في بناء حد أدنى من التفاهم حول قواعد الأمن الإقليمي، فقد تصبح المرحلة الحالية بداية لنظام أكثر توازناً. أما إذا لم تنجح هذه العواصم في ذلك، فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني لن يكون سوى محطة عابرة في تاريخ طويل من الأزمات المؤجلة.

