من بن صراف إلى بوعدي: أبطال المغرب في مونديال الغد يُصنعون اليوم في أقسام الدراسة لا في الملاعب وحدها

0
97

من بن صراف إلى بوعدي: هل أراد كاتب التغريدة أن يقول إن مستقبل كرة القدم يبدأ من المدرسة؟

في زمن تزداد فيه هيمنة الخطاب الرياضي القائم على النتائج السريعة والأرقام المجردة، اختار عبد الواحد أكمير أن يسلك طريقاً مختلفاً. لم يتحدث عن هدف سجله لاعب، ولا عن انتصار منتخب على آخر، بل عاد بالقارئ إلى سؤال فلسفي طرحه الفيلسوف الأمريكي المغربي الأصل بول بن صراف: كيف نعرف الأعداد إذا كنا لا نراها؟ ومن هذه البوابة الفكرية انتقل مباشرة إلى ملعب كرة القدم، وكأنه يريد أن يقول إن ما يحدد مصير المباريات الكبرى لا يُرى دائماً بالعين المجردة.

في الظاهر يبدو النص احتفاءً بالموهبة الصاعدة أيوب بوعدي بعد أدائه اللافت أمام البرازيل، لكن القراءة المتأنية تكشف أن اللاعب ليس سوى مثال وظفه الكاتب للدفاع عن فكرة أكبر: العلاقة العضوية بين التعليم والمعرفة والرياضة. فالرجل لا يمدح التمريرات الناجحة بقدر ما يحاول تفسير مصدرها. لا يبحث عن النتيجة النهائية بل عن الجذور التي صنعتها.

هذه المقاربة تكتسب دلالة خاصة في المرحلة الحالية التي تعيش فيها كرة القدم العالمية تحولات عميقة. فالأندية الكبرى والمنتخبات المتقدمة لم تعد تعتمد فقط على المهارة البدنية أو الموهبة الخام، بل أصبحت تستثمر في علوم البيانات والإحصاء وتحليل الأداء والذكاء الاصطناعي وعلم النفس الرياضي. داخل أكبر مراكز التكوين في أوروبا، صار اللاعب مشروعاً معرفياً بقدر ما هو مشروع رياضي. ولذلك فإن الحديث عن تفوق أيوب بوعدي في الرياضيات لا يأتي هنا كمعطى جانبي، بل كجزء من تفسير طريقة لعبه.

عندما يصف الكاتب حركة رأس اللاعب قبل استلام الكرة، فهو في الواقع يصف ما يعرف في أدبيات التدريب الحديثة بـ”المسح البصري” أو Scanning، وهي المهارة التي أصبحت موضوع دراسات أكاديمية عديدة في كرة القدم الاحترافية. فقبل أن يلمس اللاعب الكرة يكون قد جمع عشرات المعطيات المتعلقة بمواقع زملائه وخصومه والمساحات المتاحة وزوايا التمرير المحتملة. وكلما ارتفع مستوى هذه القدرة ارتفعت جودة القرار داخل الملعب.

هنا بالضبط يحاول النص أن يبني جسراً بين الرياضيات وكرة القدم. فالرياضيات ليست أرقاماً جامدة كما يعتقد كثيرون، بل هي تدريب للعقل على إدراك العلاقات والأنماط والاحتمالات. والكاتب يوحي بأن ما يفعله بوعدي فوق العشب الأخضر يشبه بطريقة ما ما يفعله طالب متفوق أمام مسألة معقدة: جمع المعطيات، تحليلها بسرعة، ثم اختيار الحل الأكثر نجاعة.

لكن خلف هذه الفكرة الرياضية توجد رسالة اجتماعية أكثر عمقاً. فالنص يأتي في سياق مغربي وعربي وإفريقي ما زالت فيه قطاعات واسعة تنظر إلى الرياضة والدراسة باعتبارهما مسارين متناقضين. كم من موهبة شابة قيل لها إن عليها الاختيار بين المدرسة والملعب؟ وكم من أسرة اعتبرت أن النجاح الرياضي لا يحتاج إلى تفوق دراسي؟ الكاتب يبدو وكأنه يعترض على هذه الثنائية التقليدية، ويقدم نموذجاً مضاداً يقول إن العقل المتفوق قد يصنع لاعباً أفضل، كما أن الرياضة لا تتعارض مع المعرفة بل يمكن أن تكون امتداداً لها.

ومن زاوية أخرى، يمكن فهم النص باعتباره مساهمة غير مباشرة في النقاش الدائر حول مستقبل كرة القدم المغربية. فبعد الإنجازات التاريخية التي حققها المغرب في السنوات الأخيرة، لم يعد السؤال هو كيف نربح مباراة أو بطولة، بل كيف نبني جيلاً قادراً على المنافسة لعقود. والجواب الذي يلمح إليه الكاتب لا يمر فقط عبر البنيات التحتية أو مراكز التكوين، بل عبر الاستثمار في الإنسان نفسه، في تعليمه وتكوينه وقدرته على التفكير واتخاذ القرار.

ولعل اختيار بن صراف في بداية النص لم يكن اعتباطياً. فالرجل يمثل نموذجاً للمغربي الذي ساهم في إنتاج المعرفة العالمية من داخل أكبر الجامعات الدولية. واستحضاره إلى جانب أيوب بوعدي يخلق رمزية لافتة: الأولى في عالم الفلسفة والرياضيات، والثانية في عالم الرياضة. وكأن الرسالة الضمنية تقول إن المغرب الذي يصنع العلماء قادر أيضاً على صناعة لاعبين استثنائيين، وإن التفوق في المجالين قد يصدر من المنبع نفسه: جودة التكوين العقلي.

ومع اقتراب الاستحقاقات الكروية العالمية الكبرى، حيث تتجه أنظار الجماهير إلى النجوم والأهداف والنتائج، يختار الكاتب أن يوجه النظر إلى ما وراء المشهد. فهو لا يسأل كيف راوغ بوعدي خصمه، بل كيف تشكل العقل الذي سمح له باتخاذ القرار الصحيح في جزء من الثانية. ولا يسأل عن المباراة فقط، بل عن المدرسة والأسرة والثقافة التي صنعت هذا اللاعب.

وهنا تكمن قوة النص الحقيقية. فهو يحول كرة القدم من مجرد فرجة إلى نافذة للتفكير في التعليم والتنمية وبناء الإنسان. ويجعل من لاعب شاب رمزاً لسؤال أكبر يتعلق بمستقبل المجتمعات التي تريد المنافسة في القرن الحادي والعشرين.

ويبقى السؤال الذي يتركه النص معلقاً: إذا كانت كرة القدم الحديثة أصبحت لعبة ذكاء بقدر ما هي لعبة أقدام، فهل نحن نستثمر بالقدر الكافي في العقول التي ستخوض مباريات الغد، أم أننا ما زلنا نبحث عن النتائج في الملعب بينما تبدأ أسبابها الحقيقية في الفصول الدراسية؟