إصلاح التقاعد في المغرب: هل يقدّم محمد أوزين وصفة إنقاذ أم يطلق صافرة إنذار سياسية قبل فوات الأوان؟
حين يكتب الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، عن التقاعد، فهو لا يتحدث فقط عن ملف مالي أو تقني يهم الخبراء والأكتواريين، بل يلامس واحداً من أكثر الملفات حساسية في علاقة الدولة بالمواطن. فالتقاعد ليس مجرد معاش يُصرف عند نهاية الحياة المهنية، بل هو تعبير عن العقد الاجتماعي بين الأجيال، وعن قدرة الدولة على الوفاء بوعودها تجاه من قضوا عقوداً في العمل والمساهمة في بناء الاقتصاد والإدارة والمجتمع.
في الظاهر، يقدم أوزين مقترحاً لإصلاح جريء ومستدام وعادل لأنظمة التقاعد. لكن بين سطور مقاله يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً: هل أصبح ملف التقاعد عنواناً لأزمة أوسع تتعلق بطريقة تدبير الدولة للملفات الاستراتيجية المؤجلة؟ وهل نحن أمام مشروع إصلاح حقيقي أم أمام محاولة سياسية لتأطير النقاش حول واحدة من أكبر القنابل الاجتماعية الموقوتة في المغرب؟
ما يمنح طرح أوزين قوة إضافية هو أنه ينطلق من معطيات يصعب إنكارها. فالتقارير الرسمية نفسها تتحدث منذ سنوات عن اختلالات هيكلية تهدد استدامة عدد من الصناديق. وقد أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن احتياطيات نظام المعاشات المدنية الذي يديره الصندوق المغربي للتقاعد قد تصل إلى مرحلة النفاد في أفق سنة 2031 إذا لم يتم اتخاذ إصلاحات إضافية، بعدما سمحت الزيادات الأخيرة في الأجور بتمديد عمر الاحتياطيات لبضع سنوات فقط.
غير أن أهمية المقال لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في تشخيصه لجوهر الأزمة. فالمغرب يعيش اليوم تحولاً ديمغرافياً عميقاً يشبه ما عرفته دول أوروبية قبل عقود. متوسط العمر يرتفع باستمرار، وعدد المتقاعدين يزداد، بينما تتباطأ وتيرة نمو عدد المساهمين القادرين على تمويل المعاشات. هنا يظهر التناقض الكبير: الأنظمة الحالية بُنيت في زمن كانت فيه قاعدة الشباب واسعة وعدد المتقاعدين محدوداً، أما اليوم فإن الهرم السكاني يتغير تدريجياً، ما يجعل المنطق الذي تأسست عليه هذه الصناديق أقل قدرة على الصمود.
لكن القراءة المتأنية لمقال أوزين تكشف أنه لا يهاجم الحكومة فقط بسبب تأجيل الإصلاح، بل يوجّه نقداً أعمق لمنطق سياسي ظل سائداً لعقود. فالرجل يطرح فكرة أن الحكومات المتعاقبة، بمختلف ألوانها، اختارت دائماً تأجيل القرارات الصعبة إلى الولاية الموالية. ومن هذه الزاوية، فإن المقال لا يحاكم حكومة بعينها بقدر ما يحاكم ثقافة سياسية كاملة تقوم على إدارة الأزمات بدل حلها.
مع ذلك، فإن بعض مقترحاته تثير نقاشاً مشروعاً. فالدعوة إلى رفع سن التقاعد تدريجياً إلى 65 سنة تبدو منطقية من زاوية الحسابات المالية والأكتوارية، خصوصاً أن العديد من الدول اتجهت إلى هذا الخيار لمواجهة الشيخوخة السكانية. لكن من زاوية اجتماعية، يظل السؤال مطروحاً حول قدرة سوق الشغل المغربي على استيعاب هذا التحول. فإذا كان آلاف الشباب يعانون أصلاً من البطالة أو من صعوبة الولوج إلى الوظيفة، فإن تمديد مدة بقاء الأجيال الأكبر سناً في سوق العمل قد يخلق توترات إضافية بين الأجيال.
الأمر نفسه ينطبق على رفع معدلات المساهمة. فمن الناحية التقنية قد يوفر ذلك موارد إضافية للصناديق، لكنه في الوقت ذاته يزيد كلفة العمل بالنسبة للأجراء والمشغلين، في اقتصاد لا يزال يواجه تحديات التنافسية والاقتصاد غير المهيكل. وهنا تكمن إحدى النقاط التي تستحق التوقف عندها: أوزين لا يعتبر أن الحل يكمن فقط في تحميل المنخرطين أعباء إضافية، بل يربط الإصلاح الحقيقي بتوسيع قاعدة المساهمين عبر إدماج ملايين العاملين في القطاع غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية.
وهذا ربما هو الجزء الأكثر أهمية في مقاله. فالأزمة، في جوهرها، ليست أزمة تقاعد فقط، بل أزمة اقتصاد غير مهيكل يشغل ملايين المغاربة خارج شبكات الاقتطاع والتغطية الاجتماعية. لذلك فإن أي إصلاح يقتصر على رفع سن التقاعد أو زيادة المساهمات قد ينجح في تأجيل الأزمة سنوات إضافية، لكنه لن يعالج جذورها العميقة.
ومن هنا يمكن فهم اعتراضه على مشروع دمج الصناديق في قطبين عمومي وخاص، وهو الخيار الذي ظلت الحكومة تدافع عنه باعتباره مدخلاً للإصلاح الشامل. فالحكومة ترى أن إعادة هيكلة المنظومة وتحسين الحكامة وتوحيد بعض الأنظمة يشكل خطوة ضرورية نحو الاستدامة. أما أوزين فيرى أن الدمج وحده لا يخلق مساهمين جدداً ولا يرفع النمو الاقتصادي ولا يعالج الخلل الديمغرافي، بل قد يؤدي فقط إلى نقل الاختلالات من صندوق إلى آخر داخل هيكل أكبر.
هنا بالضبط تكمن الخلفية السياسية للمقال. فزعيم المعارضة لا يكتفي بانتقاد قرار تأجيل الإصلاح، بل يسعى إلى إعادة صياغة النقاش من سؤال “كيف نصلح الصناديق؟” إلى سؤال “كيف نبني اقتصاداً قادراً على تمويل التقاعد؟”. وهو انتقال مهم لأن الأزمة تصبح عندئذ مرتبطة بالنمو والتشغيل والاستثمار والإنتاجية، لا فقط بالحسابات المحاسباتية للصناديق.
لكن هل ستؤدي مقترحاته فعلاً إلى النتائج التي يعد بها؟
الجواب الأكثر موضوعية هو: جزئياً نعم، وكلياً لا. فرفع سن التقاعد، وتمديد مدة المساهمة، وتحسين حكامة الصناديق، وتوسيع قاعدة المنخرطين، كلها إجراءات يمكن أن تؤخر استنزاف الاحتياطيات وتحسن التوازنات المالية. غير أن التجارب الدولية أظهرت أن إصلاح التقاعد لا ينجح عبر إجراء منفرد، بل عبر حزمة إصلاحات اقتصادية وديمغرافية واجتماعية متكاملة. لذلك فإن نجاح رؤية أوزين سيظل رهيناً بقدرة المغرب على خلق فرص شغل جديدة، وتقليص الاقتصاد غير المهيكل، وتحقيق معدلات نمو أعلى خلال العقود المقبلة.
في النهاية، يبدو أن أهمية مقال محمد أوزين لا تكمن فقط في الحلول التي يقترحها، بل في السؤال الذي يفرضه على النقاش العمومي: هل نملك اليوم الشجاعة السياسية لاتخاذ قرارات مؤلمة من أجل حماية أجيال الغد، أم أننا سنواصل ترحيل الفاتورة إلى المستقبل؟
ذلك أن أزمة التقاعد ليست في حقيقتها أزمة صناديق أو احتياطيات مالية فحسب، بل هي اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على التفكير في الزمن الطويل. فالأمم لا تُقاس فقط بما تنجزه للأحياء، بل أيضاً بما تتركه من ضمانات لأولئك الذين لم يولدوا بعد. وعندما يصبح مستقبل المتقاعد القادم رهينة الحسابات الانتخابية الآنية، فإن السؤال الأكبر لا يعود: من سيمول التقاعد؟ بل: أي نموذج للمغرب نريد أن نورثه للأجيال المقبلة؟