في لحظة اقتصادية تبدو فيها الأرقام هادئة على السطح، يخفي عمق المؤشرات ارتجاجات ممتدة من الخارج إلى الداخل، ومن الجغرافيا السياسية إلى المائدة اليومية للمواطن. بنك المغرب يضع إصبعه على هذا التوتر الصامت حين يتوقع تسارع التضخم المحلي نحو 1,5 في المائة خلال السنة الجارية، في سياق عالمي لم يعد فيه الاقتصاد مجرد معادلات عرض وطلب، بل امتداد مباشر لتوازنات الحرب، ولقطاعات الطاقة التي تحولت إلى سلاح غير معلن في النزاعات الكبرى.
الرسالة التي يبعث بها البنك المركزي لا تتعلق فقط بتعديل رقمي في توقعات الأسعار، بل بإعادة رسم مزاج اقتصادي كامل. فحين ترتفع فاتورة الطاقة، لا تتحرك المؤشرات المالية وحدها، بل تبدأ سلسلة انتقالية معقدة تصل إلى النقل، والإنتاج، والأسعار الاستهلاكية، ثم إلى القدرة الشرائية للأسر. ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة تقارب 27,6 في المائة في ظرف سنة واحدة ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو إشارة إلى أن الاقتصاد المغربي، مثل غيره من الاقتصاديات المستوردة للطاقة، يعيش على إيقاع الخارج أكثر مما يعيش على إيقاعه الداخلي.
هذا الخارج، كما يشير إليه تحليل الظرفية الدولية، محكوم بتداعيات حرب الشرق الأوسط وما أحدثته من اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية. لم تعد سلاسل التوريد مجرد مسارات تجارية، بل أصبحت خطوط هشّة تتأثر بأي توتر جيوسياسي، من إغلاق مضيق، إلى تهديد ممر بحري، إلى تفاهمات دبلوماسية قد تعيد التوازن مؤقتاً كما في الإشارة إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. لكن حتى هذه الانفراجات تبقى جزئية، لأن الاقتصاد العالمي بعد كل صدمة لا يعود إلى وضعه السابق، بل يعيد تشكيل نفسه على إيقاع القلق.
في هذا السياق، يبدو التضخم في المغرب أقل حدة مقارنة بغيره، لكنه ليس خارج التأثير. فالتوقعات التي تشير إلى استقرار نسبي عند 1,5 في المائة تخفي خلفها تحولات داخلية دقيقة: انتقال من تضخم منخفض للغاية في السنوات السابقة إلى مسار تصاعدي تدريجي، مع توقع بلوغه 2,1 في المائة في أفق 2027. هذا التحول البطيء هو في جوهره أكثر أهمية من الرقم نفسه، لأنه يعكس نهاية مرحلة “الاستقرار الهادئ” وبداية مرحلة “التقلب المحسوب”.
الأكثر دلالة في تحليل بنك المغرب هو الفصل بين التضخم العام والتضخم الأساسي. فالأخير، الذي يعكس الاتجاه البنيوي للأسعار بعيداً عن تقلبات الطاقة والغذاء، يُتوقع أن يبقى محدوداً في حدود 0,2 في المائة في 2026، قبل أن يقفز لاحقاً إلى 2,9 في المائة. هذا التباين يكشف أن ما يبدو استقراراً اليوم قد يكون مجرد تأجيل لانتقال الضغوط من الخارج إلى الداخل، ومن العوامل الظرفية إلى البنية الاقتصادية نفسها.
في الحياة اليومية، لا تُقرأ هذه الأرقام في التقارير، بل في سلوك الأسر. ارتفاع المحروقات يعني تكلفة نقل أعلى، تكلفة توزيع أكبر، وأسعار مواد غذائية أكثر حساسية للتقلبات. ومع كل نقطة مئوية في التضخم، تتقلص قدرة شرائية لا تظهر في الإحصاءات، لكنها تُقاس في اختيارات بسيطة: تأجيل شراء، تقليص استهلاك، أو إعادة ترتيب أولويات العيش. وهنا يتحول الاقتصاد من لغة خبراء إلى تجربة معيشة يومية صامتة.
لكن البنك المركزي لا ينظر فقط إلى جانب الضغط، بل أيضاً إلى جانب التوازن النقدي. قرار الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 في المائة يعكس مقاربة حذرة، أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى التوسع أو الانكماش. فرفع الفائدة في سياق نمو غير متسارع بما يكفي قد يثقل كاهل الاستثمار والتمويل، بينما خفضها في ظل ضغوط تضخمية مستوردة قد يفقد السياسة النقدية جزءاً من قدرتها على ضبط الأسعار.
هنا يظهر نوع من “الهندسة الدقيقة” في السياسة النقدية: محاولة الحفاظ على خط وسط بين دعم النشاط الاقتصادي وعدم إطلاق موجة تضخمية غير مسيطر عليها. وهي معادلة تصبح أكثر تعقيداً حين يكون مصدر الضغط الأساسي خارجياً، أي غير قابل للمعالجة بالأدوات المحلية وحدها.
المعطيات التي يشير إليها بنك المغرب حول تحسن النمو، المدفوع بالقطاع الفلاحي والأنشطة غير الفلاحية، تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالنمو في حد ذاته لا يكفي إذا كان مصحوباً بضغط في الأسعار، كما أن انخفاض التضخم لا يكون إيجابياً إذا كان نتيجة ركود في الطلب. بين هذين الحدين يتحرك الاقتصاد المغربي في منطقة دقيقة، حيث يصبح الهدف ليس التسارع أو التباطؤ، بل الحفاظ على توازن قابل للاستمرار.
ما يلفت الانتباه أيضاً هو أن توقعات خبراء القطاع المالي تشير إلى تضخم في حدود 2,2 في المائة على المدى المتوسط، وهو رقم يعكس نوعاً من “التطبيع” مع مستوى أعلى من الأسعار مقارنة بالسنوات الماضية. هذا التحول في التوقعات لا يقل أهمية عن التحول في الأرقام نفسها، لأنه يعكس كيفية إعادة تشكيل الإدراك الجماعي للاقتصاد: ما كان يُعتبر ارتفاعاً استثنائياً قد يصبح مستوى مرجعياً جديداً.
في الخلفية، يظل العامل الجيوسياسي هو المحرك غير المرئي لهذه التحولات. الحرب في الشرق الأوسط لم تعد حدثاً إقليمياً، بل أصبحت عقدة في شبكة الاقتصاد العالمي، تعيد توزيع المخاطر وتفرض إعادة تسعير للطاقة والشحن والتأمين. وكل زيادة في هذه السلسلة تنتهي في نقطة واحدة: فاتورة المستهلك النهائي.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الوضع لا يتعلق فقط بنسبة التضخم أو قرار الفائدة، بل بقدرة الاقتصادات المتوسطة مثل المغرب على بناء “مناعة اقتصادية” ضد الصدمات الخارجية المتكررة. هل يمكن فعلاً فصل المسار الداخلي عن الاضطراب العالمي؟ أم أن العولمة الاقتصادية جعلت من الاستقرار المحلي مجرد انعكاس مؤجل لما يحدث خارج الحدود؟
في النهاية، ما يقدمه بنك المغرب ليس مجرد توقعات تقنية، بل قراءة في هشاشة التوازن العالمي نفسه. اقتصاد يتحرك بين ضغوط الطاقة، وتحولات الجغرافيا السياسية، ومحاولات ضبط نقدي دقيقة، يشبه نظاماً يسير على حبل مشدود، حيث أي اهتزاز خارجي قد يعيد ترتيب المشهد بأكمله.
وهكذا، يصبح التضخم أكثر من رقم في تقرير فصلي؛ يصبح لغة غير معلنة للعلاقة بين العالم كما يتغير، والاقتصاد كما يُدار، والمجتمع كما يعيش أثر هذا التغير دون أن يراه دائماً بوضوح.