مليارا درهم وأسئلة بلا أجوبة.. هل تحولت مؤسسة أعمال الصحة إلى أزمة حكامة وثقة؟

0
75

مؤسسة الحسن الثاني لموظفي الصحة بين رهان الحماية الاجتماعية وسؤال الحكامة: هل تأخر زمن الانتقال من التأسيس إلى الفعالية؟

في الوقت الذي تعيش فيه المنظومة الصحية المغربية واحدة من أكبر أوراش الإصلاح التي عرفتها خلال العقود الأخيرة، يعود ملف مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية للعاملين بالقطاع العمومي للصحة والحماية الاجتماعية إلى واجهة النقاش المهني، ليس باعتباره مجرد ملف إداري مرتبط بخدمات اجتماعية، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة العلاقة التي تربط المؤسسة بموظفيها، ومدى قدرة الدولة على تحويل الوعود الاجتماعية إلى واقع ملموس يشعر به العاملون في القطاع الصحي.

هذا النقاش أعادت النقابة المستقلة لقطاعات الصحة إثارته خلال اجتماع مكتبها الوطني، حيث اعتبرت أن مرور أكثر من عقد على صدور القانون رقم 10.19 المحدث للمؤسسة يفرض تقييم الحصيلة بقدر من الموضوعية والمسؤولية. فالمؤسسة التي وُلدت لتكون فضاءً للدعم الاجتماعي وتحسين ظروف عيش مهنيي الصحة، تجد نفسها اليوم أمام تساؤلات متزايدة حول قدرتها على مواكبة انتظارات عشرات الآلاف من الموظفين والأطر الصحية الذين ينتظرون خدمات أكثر تنوعاً ونجاعة وشفافية.

من الناحية النظرية، شكل إحداث المؤسسة خطوة متقدمة في مسار الاعتراف بالأبعاد الاجتماعية لمهن الصحة. فالتجارب الدولية في تدبير الموارد البشرية داخل القطاعات الحيوية تؤكد أن جودة الخدمات العمومية لا ترتبط فقط بالأجور أو التجهيزات، بل تتأثر أيضاً بشعور الموظف بالأمان الاجتماعي والانتماء المؤسسي. وعندما يحظى العامل في القطاع الصحي بخدمات سكنية وتأمينية وترفيهية وتعليمية مناسبة، فإن ذلك ينعكس بشكل مباشر على مردوديته المهنية واستعداده للانخراط في برامج الإصلاح.

غير أن الإشكال المطروح اليوم لا يرتبط فقط بحجم الخدمات المقدمة، بل بطبيعة الحكامة التي تؤطر المؤسسة. فالنقاش الدائر داخل الأوساط المهنية تجاوز منذ مدة سؤال “ماذا تقدم المؤسسة؟” إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بـ”كيف تُتخذ القرارات داخل المؤسسة؟ ومن يمثل فعلياً المنخرطين؟”.

وتعتبر النقابة المستقلة أن إحدى النقاط التي تستحق إعادة النظر تتمثل في طريقة تمثيل الموظفين داخل المجلس المديري للمؤسسة. فالقانون الحالي يربط جزءاً من هذه التمثيلية بالنقابات الأكثر تمثيلية، وهو ما يراه عدد من المهنيين صيغة تحتاج إلى تطوير يضمن مشاركة أوسع للمنخرطين، بمن فيهم غير المنتمين تنظيمياً. لذلك تقترح النقابة إرساء مسار انتخابي متعدد المستويات يبدأ من الأقاليم والعمالات وصولاً إلى هيئة وطنية تمثل مختلف الجهات، بما يتيح بناء تمثيلية أكثر قرباً من القاعدة المهنية وأكثر قدرة على نقل انتظاراتها وانشغالاتها.

وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بمقاعد داخل مجلس إداري، بل بمفهوم المشاركة نفسه. فكلما اتسعت دائرة المساهمة في اتخاذ القرار، ارتفعت مستويات الثقة والمساءلة والالتزام الجماعي. أما حين يشعر المنخرط بأن القرارات تصدر من أعلى دون إشراك فعلي أو تواصل كافٍ، فإن المسافة بين المؤسسة ومستفيديها تتسع تدريجياً، حتى وإن توفرت الإمكانيات المالية والبرامج الطموحة.

ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر عند استحضار المشروع الاستثماري الكبير الذي يرتقب أن تستفيد منه المؤسسة بموجب الاتفاقية الإطار الموقعة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والتي رُصد لها غلاف مالي يناهز ملياري درهم موزعة على عشر سنوات. وهو رقم يعكس حجم الرهان الموضوع على المؤسسة لتتحول إلى فاعل اجتماعي حقيقي داخل القطاع الصحي.

لكن التجارب الوطنية والدولية تُظهر أن ضخ الموارد المالية وحده لا يكفي لتحقيق النجاح. فكم من مشاريع اجتماعية ضخمة تعثرت بسبب ضعف التخطيط أو محدودية الكفاءات أو غياب آليات التقييم والمراقبة. لذلك يبرز مطلب تعزيز الحكامة باعتباره شرطاً أساسياً لضمان توظيف هذه الموارد بالشكل الأمثل، سواء عبر توسيع دائرة الخبرة والاستشارة أو عبر إشراك مختلف الفاعلين والمهنيين في رسم الأولويات وتتبع التنفيذ.

وفي المقابل، ما تزال بعض الخدمات الأساسية تثير تساؤلات لدى عدد من المنخرطين. فالقروض الموجهة للمناسبات الاجتماعية، وبرامج دعم السكن، والعروض المرتبطة بخدمات الهاتف والإنترنت، وتنظيم الأسفار والمخيمات الصيفية، كلها ملفات تعتبرها فئات من العاملين بحاجة إلى مراجعة وتطوير حتى تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.

وتزداد أهمية هذه المطالب في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن بالنسبة لفئات واسعة من الموظفين، والضغوط المهنية المتزايدة التي يعيشها العاملون في المستشفيات والمراكز الصحية. فالمؤسسة الاجتماعية لم تعد ترفاً إدارياً أو خدمة إضافية، بل أصبحت بالنسبة لكثير من الموظفين جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية والدعم النفسي والمهني.

كما يبرز ملف التواصل باعتباره أحد أبرز التحديات المطروحة. فنجاح أي مؤسسة اجتماعية لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو البرامج المعلنة، بل أيضاً بمدى معرفة المستفيدين بحقوقهم وبالخدمات الموضوعة رهن إشارتهم. ومن هنا تأتي الدعوات إلى تنظيم لقاءات جهوية ومحلية منتظمة، وتقديم حصيلة دورية للمنجزات، وتوضيح مآلات المشاريع والاتفاقيات، خصوصاً تلك المرتبطة بالتغطية الصحية التكميلية والمنح الدراسية والخدمات الاجتماعية الجديدة.

ولعل المقارنة مع مؤسسات اجتماعية تابعة لقطاعات عمومية أخرى تكشف حجم التحدي. فهناك تجارب استطاعت بناء شبكة متكاملة من مراكز الاصطياف والاستقبال والترفيه والدعم الاجتماعي، ما جعلها تتحول إلى رافعة حقيقية لتحسين جودة حياة المنخرطين وأسرهم. أما قطاع الصحة، الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للدولة الاجتماعية، فلا يزال يطمح إلى بلوغ مستوى مماثل من النجاعة والانتشار الترابي.

في نهاية المطاف، يبدو أن النقاش حول مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة يتجاوز حدود الخدمات والتدبير اليومي. إنه نقاش حول مكانة العنصر البشري داخل مشروع إصلاح المنظومة الصحية برمته. فكل إصلاح صحي، مهما بلغت أهميته التقنية أو المالية، يظل رهيناً بمدى شعور الأطباء والممرضين والتقنيين والإداريين بأنهم شركاء حقيقيون في هذا المشروع لا مجرد منفذين له.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن تطوير مؤسسة الأعمال الاجتماعية، بل كيف يمكن تحويلها إلى فضاء للثقة والانتماء والإنصاف. فالدول لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات التي تبنيها أو الميزانيات التي تخصصها للصحة، بل أيضاً بقدرتها على رعاية من يسهرون يومياً على صحة المواطنين. وعندما يشعر مهني الصحة بأن مؤسسته تنصت إليه وتمثله وتحمي مصالحه الاجتماعية، فإن المستفيد النهائي من ذلك لن يكون الموظف وحده، بل المنظومة الصحية بأكملها، والمواطن الذي ينتظر خدمة عمومية أكثر جودة وإنسانية.