الجزائر تنجو والأردن يفرض الاحترام.. مباراة كشفت الحقيقة الكاملة للكرة العربية في مونديال 2026

0
95

في كرة القدم، لا تُقاس قيمة المنتخبات فقط بعدد الأهداف التي تسجلها، بل بقدرتها على النهوض بعد السقوط. وهذا بالضبط ما جسدته المواجهة التي جمعت المنتخب الجزائري بنظيره الأردني في الجولة الثانية من منافسات المجموعة العاشرة لكأس العالم 2026، حيث وجد “محاربو الصحراء” أنفسهم أمام اختبار نفسي ووجودي أكثر منه مباراة عادية. فبعد الخسارة الافتتاحية أمام الأرجنتين، لم يكن أمام الجزائر سوى الانتصار للإبقاء على حلم العبور قائماً، بينما دخل المنتخب الأردني اللقاء وهو يدرك أن أي نتيجة إيجابية قد تعيد رسم خريطة المجموعة بالكامل.

ما جرى فوق أرضية الملعب كشف منذ الدقائق الأولى أن المنتخب الأردني لم يحضر إلى المونديال من أجل أداء دور الضيف. فقد ظهر “النشامى” بتنظيم تكتيكي محكم وانضباط جماعي لافت، ونجحوا في فرض إيقاعهم على فترات طويلة من الشوط الأول. وعندما افتتح نزار الرشدان باب التسجيل، لم يكن الهدف مجرد تفوق رقمي على لوحة النتائج، بل كان تعبيراً عن شخصية منتخب يتطور تدريجياً ويقترب أكثر فأكثر من كسر الحواجز التقليدية التي ظلت تفصل كرة القدم العربية الآسيوية عن المراتب العالمية الكبرى.

ذلك الهدف وضع الجزائر أمام مرآة الحقيقة. فالفريق الذي دخل البطولة محملاً بتطلعات جماهيره وجد نفسه مهدداً بخسارة ثانية كانت ستقربه من الخروج المبكر. هنا بدأت المباراة الحقيقية. لم يعد الأمر متعلقاً بالخطط أو الأسماء، بل بمدى قدرة جيل كامل على تحمل الضغط عندما يصبح مصير البطولة معلقاً بخيط رفيع.

في الشوط الثاني تغير المشهد بالكامل. ارتفع نسق اللعب الجزائري، وزادت الكثافة الهجومية، وتحولت المباراة إلى صراع بين رغبة أردنية في الحفاظ على التقدم وإصرار جزائري على استعادة الحياة. ومع مرور الوقت بدأت مؤشرات الإرهاق تظهر على المنتخب الأردني، في حين استفادت الجزائر من عمق تشكيلتها ومن خبرة لاعبيها في إدارة اللحظات الحاسمة. فجاء هدف نذير بن بوعلي ليعيد التوازن إلى النتيجة ويمنح “ثعالب الصحراء” دفعة معنوية هائلة أعادت الثقة إلى المدرجات وإلى اللاعبين معاً.

لكن ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء ليس فقط عودة الجزائر في النتيجة، بل الطريقة التي كشفت بها المباراة عن الفوارق الدقيقة بين المنتخبات التي تملك خبرة المنافسات الكبرى وتلك التي ما تزال في طور بناء تقاليدها العالمية. فالأردن قدم مباراة كبيرة من الناحية التكتيكية، إلا أن إدارة الدقائق الأخيرة تحت ضغط المنافسة العالمية ظلت نقطة تحتاج إلى مزيد من النضج والتراكم. أما الجزائر، فقد استفادت من خبرة لاعبيها في استثمار التفاصيل الصغيرة، وهي التفاصيل التي غالباً ما تصنع الفارق بين البقاء والمغادرة في البطولات الكبرى.

وحين سجل أمين غويري هدف الفوز في الدقيقة الثانية والثمانين، بدا المشهد وكأنه تلخيص مكثف لفلسفة كرة القدم الحديثة: الاستحواذ وحده لا يكفي، والانضباط الدفاعي وحده لا يكفي، بل إن الحسم يأتي غالباً من قدرة فريق ما على استغلال لحظة ارتباك عابرة داخل منطقة الجزاء. حتى العودة إلى تقنية الفيديو لتأكيد صحة الهدف عكست حجم التوتر الذي أحاط بالمواجهة وأهمية النقاط الثلاث بالنسبة للطرفين.

هذا الفوز أعاد الجزائر إلى قلب المنافسة ومنحها ثلاث نقاط ثمينة جعلتها تتساوى مع النمسا خلف الأرجنتين المتصدرة. لكنه في الوقت نفسه كشف أن المنتخب الجزائري ما زال بعيداً عن الصورة المثالية التي يحلم بها أنصاره. فالفريق احتاج إلى وقت طويل حتى يجد إيقاعه، وظهر في بعض الفترات هشاً أمام المرتدات والضغط المنظم. ولذلك فإن المواجهة المقبلة أمام النمسا لن تكون مجرد مباراة تأهل، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الجزائر على التحول من منتخب ينجو من الأزمات إلى منتخب قادر على فرض نفسه كأحد المرشحين لترك بصمة في الأدوار الإقصائية.

أما الأردن، فرغم الخسارة الثانية وتعقد حسابات التأهل، فإنه خرج من المباراة برسالة مختلفة. فالمنتخب أثبت أنه قادر على إحراج مدارس كروية عريقة وإجبارها على القتال حتى اللحظات الأخيرة. وقد تكون النتيجة النهائية مخيبة للآمال، لكن الأداء أكد أن كرة القدم الأردنية تسير في مسار تصاعدي يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ظل التطور الذي تعرفه البنية التحتية والاستثمار في الفئات السنية خلال السنوات الأخيرة.

وفي النهاية، لا يمكن اختزال هذه المواجهة في هدفين مقابل هدف. فالقصة الأعمق تكمن في ذلك الصراع الدائم بين الحلم والخبرة، بين الطموح والتجربة، وبين منتخب يسعى إلى استعادة مكانته العالمية وآخر يحاول كتابة فصل جديد في تاريخه. ولعل السؤال الذي تطرحه هذه المباراة يتجاوز حدود المجموعة العاشرة نفسها: هل أصبحت المنتخبات العربية اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تقليص الفجوة مع القوى التقليدية في كرة القدم العالمية، أم أن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الانتصارات الصغيرة قبل الوصول إلى الإنجاز الكبير؟