“الحزب الإسلامي” في إسبانيا… هل تبدأ السياسة مرحلة ما بعد اليمين واليسار؟

0
118

في السياسة، لا تكون الاستقالات الكبرى مجرد مغادرة لتنظيم حزبي، بل إعلاناً عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. لذلك فإن إعلان خافيير إزكييردو، الرئيس السابق لـ”الحزب الأندلسي” في برشلونة والمسؤول عن بنيته التنظيمية في كتالونيا، استقالته النهائية، لا يمكن قراءته باعتباره خلافاً داخلياً عادياً، بقدر ما يمثل لحظة سياسية تكشف تصدعات أعمق داخل المشهد الحزبي الإسباني، حيث تتقاطع أسئلة الهوية والدين والقيم مع التحولات الانتخابية التي تعرفها البلاد.

فالخلاف، كما يقدمه إزكييردو، لم يكن صراعاً على المواقع أو الزعامة، بل صداماً حول المرجعية الفكرية والأخلاقية للحزب. ويضع السياسي الإسباني نقطة الانفجار عند قرار قيادة الحزب اعتماد رموز مرتبطة بمجتمع الميم على منصاتها الرسمية، معتبراً أن ذلك يتعارض مع قناعاته الإسلامية المحافظة، وأن الحزب تخلى عن الأسس التي كان يرفعها في بداياته. وهنا يتجاوز الحدث حدود التنظيم الداخلي ليصبح تعبيراً عن الصراع المتنامي داخل أوروبا بين خطاب الليبرالية الثقافية والتيارات المحافظة، حتى داخل الأحزاب التي كانت توصف سابقاً بأنها تمثل الهويات المحلية أو الإقليمية.

غير أن القراءة المتأنية تكشف أن القضية ليست في العلم الذي رفعه الحزب بقدر ما هي في السؤال الذي يطرحه إزكييردو: من يمثل الناخب المسلم المحافظ داخل الديمقراطية الأوروبية؟ فهذا السؤال ظل لسنوات معلقاً بين يسار يربط الدفاع عن الأقليات بحزمة من القضايا الاجتماعية والثقافية التي لا تحظى بالإجماع داخل المجتمعات الإسلامية، ويمين تقليدي يجعل من الهجرة والإسلام أحد أبرز ملفات المواجهة السياسية. وبين هذين القطبين، يرى إزكييردو وجود مساحة انتخابية واسعة لا تجد نفسها ممثلة في أي منهما.

ومن هنا تبدو خطوة الإعلان عن مشروع يحمل اسم “الحزب الإسلامي” أكثر من مجرد تأسيس حزب جديد؛ إنها محاولة لإعادة تعريف مفهوم التمثيل السياسي للمسلمين داخل إسبانيا. فالرجل لا يقدم نفسه باعتباره زعيماً لحزب ديني بالمعنى الكلاسيكي، بل يسعى، وفق تصريحاته، إلى بناء حزب محافظ يتموقع في يمين الوسط، يعلن التزامه بالدستور الإسباني، ويدافع عن وحدة الدولة، ويجمع بين المرجعية الإسلامية والانتماء الوطني الإسباني. وهذه الثنائية ليست تفصيلاً عابراً، بل رسالة سياسية تستهدف كسر الصورة النمطية التي تربط بين الهوية الإسلامية والانفصال عن الدولة الوطنية.

وبين سطور الخطاب، تبدو الرسالة الأهم موجهة إلى المؤسسات الإسبانية أكثر منها إلى الناخبين. فإزكييردو يحرص على التأكيد منذ البداية أن مشروعه يتحرك داخل الشرعية الدستورية، وأنه لا ينازع الدولة في مرجعيتها، بل يسعى إلى المشاركة في مؤسساتها. وهي لغة تبدو واعية بحساسية السياق الأوروبي، حيث تخضع كل المبادرات ذات المرجعية الدينية لتدقيق سياسي وإعلامي وأمني مضاعف.

لكن القراءة الاستراتيجية تطرح سؤالاً آخر: لماذا الآن؟ ولماذا في كتالونيا تحديداً؟

الجواب يكمن في التحولات الديموغرافية والسياسية التي يعرفها الإقليم. فكتالونيا تضم واحدة من أكبر الكتل السكانية ذات الأصول المسلمة في إسبانيا، كما أنها تعيش منذ سنوات حالة إعادة تشكيل للخريطة الحزبية بعد تراجع زخم الصراع التقليدي حول الاستقلال، وهو ما يفتح المجال أمام بروز قضايا الهوية والثقافة والاندماج كملفات انتخابية جديدة. لذلك فإن اختيار برشلونة نقطة انطلاق للمشروع ليس قراراً جغرافياً فحسب، بل اختياراً انتخابياً محسوباً.

وفي المقابل، فإن استقالة الرجل تمثل ضربة تنظيمية للحزب الأندلسي، ليس فقط لأنه يفقد أحد أبرز مسؤوليه، بل لأنه يخسر معه شبكة تنظيمية واسعة في كتالونيا، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى داخل هذا الفضاء السياسي إذا تمكن المشروع الجديد من استقطاب جزء معتبر من القواعد السابقة.

غير أن نجاح “الحزب الإسلامي” لن يقاس بسهولة تأسيسه القانونية، وإنما بقدرته على تجاوز ثلاثة اختبارات معقدة. أولها إقناع المسلمين أنفسهم بأن الهوية الدينية يمكن أن تتحول إلى مشروع سياسي جامع لا إلى عنصر انقسام. وثانيها طمأنة الرأي العام الإسباني بأن الحزب لا يمثل قطيعة مع الدولة المدنية، بل يشتغل داخل قواعدها الدستورية. أما الاختبار الثالث، وهو الأصعب، فيتمثل في إثبات أن المرجعية الإسلامية قادرة على إنتاج برنامج اقتصادي واجتماعي وإداري متكامل، لا الاكتفاء بخطاب أخلاقي أو هوياتي.

والأكثر دلالة أن الرجل لا يخفي طموحه للوصول إلى البرلمان الإسباني، بعد المرور عبر الانتخابات البلدية والإقليمية ثم الأوروبية، وهو ما يكشف أن المشروع لا يفكر بمنطق الاحتجاج، بل بمنطق التراكم المؤسساتي طويل النفس، وهي استراتيجية تعكس إدراكاً بأن الشرعية السياسية في الديمقراطيات الأوروبية تُبنى بالصندوق، لا بالشعارات.

في العمق، لا يتعلق الخبر بتأسيس حزب جديد فقط، بل بظهور سؤال سياسي جديد داخل أوروبا: هل دخلت القارة مرحلة لم يعد فيها الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار كافياً لفهم سلوك الناخبين؟ وهل أصبحت قضايا الهوية والقيم والانتماء الثقافي والديني هي المحدد الجديد للخريطة الحزبية؟

لذلك، قد يكون الإعلان عن “الحزب الإسلامي” في إسبانيا حدثاً يبدو محدوداً في حجمه اليوم، لكنه يحمل في طياته مؤشرات على تحول أوسع في السياسة الأوروبية؛ تحول ينتقل فيه الصراع من الاقتصاد إلى الهوية، ومن البرامج إلى المرجعيات، ومن الانتماء الحزبي التقليدي إلى البحث عن تمثيل يعكس القيم قبل المصالح. وإذا نجح هذا المشروع في تحويل هذا الخطاب إلى أصوات انتخابية، فقد لا يكون مجرد حزب جديد، بل بداية فصل سياسي مختلف في الديمقراطية الإسبانية.