طاليب: احترمنا فرنسا أكثر من اللازم… والخيارات التكتيكية كلفتنا المباراة

0
109

الخسارة أمام فرنسا… بين الفوارق الفنية وحدود المشروع الكروي المغربي

لم تكن خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد نهاية لمغامرة مونديالية جديدة، بل كانت لحظة كاشفة لمجموعة من الأسئلة التي ظلت مؤجلة منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر. فالمباراة لم تفضح فقط فارقاً في النتيجة، وإنما كشفت أيضاً حدود نموذج كروي ما يزال يبحث عن توازنه بين جودة الأفراد وصلابة المنظومة، وبين نجاحات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

في الساعات التي تلت الإقصاء، انقسمت التفسيرات بين من أرجع الهزيمة إلى التفوق الفردي للمنتخب الفرنسي، ومن حمل جزءاً من المسؤولية للخيارات التكتيكية التي اعتمدها الناخب الوطني محمد وهبي. لكن القراءة المتأنية لتصريحات المدربين المغاربة تكشف أن الجميع، رغم اختلاف زواياهم، كانوا يدورون حول سؤال واحد لم يصرح به أحد بشكل مباشر: هل خسر المغرب المباراة بسبب تفاصيلها، أم بسبب الفارق بين مشروعين كرويين يختلفان في عمق البناء قبل أن يختلفا في جودة اللاعبين؟

حين يؤكد الإطار الوطني عزيز العامري أن فرنسا لم تنتصر لأنها تملك مدرباً أفضل، وإنما لأنها تمتلك لاعبين أفضل، فهو في الواقع ينقل النقاش من مقاعد البدلاء إلى غرف التكوين. فالمباراة، في نظره، لم تُحسم بخطة تكتيكية بقدر ما حسمتها منظومة أنتجت مهاجمين قادرين على صناعة الفارق في أصعب اللحظات، بينما دخل المغرب اللقاء وهو يفتقد رأس الحربة القادر على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف، خصوصاً بعد غياب إسماعيل الصيباري.

لكن هذا التفسير، رغم وجاهته، يفتح باباً أوسع. فإذا كانت الفوارق الفردية هي السبب الحقيقي، فإن السؤال المنطقي يصبح: لماذا، بعد سنوات طويلة من الاستثمار في البنيات الرياضية وأكاديميات التكوين، ما زال المنتخب المغربي يعاني ندرة في بعض المراكز الحاسمة، وعلى رأسها مركز المهاجم الصريح؟ وهل تكفي جودة بعض الأسماء لإخفاء الخلل البنيوي في إنتاج المواهب؟

أما عبد الرحيم طاليب، فقد اختار زاوية مختلفة. لم يشكك في قيمة اللاعبين، بل رأى أن المنتخب منح فرنسا احتراماً مبالغاً فيه، فتحول التنظيم الدفاعي إلى حالة من الانكماش النفسي، وأصبح استرجاع الكرة مقدمة لإعادتها إلى الخلف بدل تحويلها إلى هجوم. في ظاهر التصريح حديث عن اختيارات تكتيكية، لكن بين سطوره اعتراف بأن المغرب دخل المباراة بعقلية تجنب الخسارة أكثر من عقلية البحث عن الانتصار.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالمنتخب الذي واجه منتخبات قوية خلال البطولة بشجاعة هجومية واضحة، بدا أمام فرنسا أقل جرأة، وأكثر تحفظاً، وكأنه سمح لهيبة المنافس بأن تتحول إلى عنصر مؤثر في طريقة اللعب نفسها. وهذا لا يعني أن اللاعبين افتقدوا الرغبة أو الالتزام، بل يشير إلى أن إدارة المباريات الكبرى لا تتعلق فقط بالإعداد البدني والتكتيكي، بل أيضاً بإدارة العامل النفسي، وهو جانب لا يقل أهمية في كرة القدم الحديثة.

كما سلط طاليب الضوء على أثر تغيير مراكز بعض اللاعبين، معتبراً أن ذلك أضعف التنشيط الهجومي، وأفقد الفريق توازنه في الثلث الأخير من الملعب. غير أن هذا النقد لا يقتصر على تفاصيل التشكيل، بل يعكس سؤالاً أعمق: إلى أي حد يمتلك المنتخب بدائل جاهزة تسمح للمدرب بتغيير الخطة دون أن يفقد الفريق هويته الفنية؟

ومن اللافت أن المدربين، رغم اختلاف قراءتيهما، التقيا عند نقطة جوهرية، وهي أن المنتخب الفرنسي لم يكن مجرد فريق متفوق فنياً، بل منظومة مكتملة راكمت الخبرة عبر سنوات من المنافسة في أعلى المستويات. ففي الوقت الذي خاض فيه عدد كبير من اللاعبين المغاربة أول تجربة لهم في هذا الدور من كأس العالم، كانت فرنسا تعتمد على عناصر اعتادت خوض الأدوار الإقصائية والنهائيات، وهو فارق لا يمكن تجاهله عند تحليل النتيجة.

غير أن الاكتفاء بالحديث عن خبرة فرنسا قد يتحول إلى مبرر دائم إذا لم يُطرح السؤال الأكثر أهمية: ماذا فعل المغرب منذ الإنجاز التاريخي في قطر لتحويل ذلك الإنجاز إلى مشروع مستدام؟ وهل كانت الأولوية لتطوير منظومة التكوين، أم للاعتماد على الزخم الذي صنعه الجيل الحالي؟

هنا يغادر النقاش حدود المباراة ليدخل في صلب السياسة الرياضية. فالمنتخبات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه في بطولة واحدة، بل بقدرتها على إنتاج أجيال متتالية تحافظ على المستوى نفسه. وإذا كان المغرب قد نجح في بناء منتخب قادر على منافسة الكبار، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في بناء منظومة تجعل هذا النجاح قابلاً للتكرار، لا مرتبطاً بجيل استثنائي.

ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوات إلى الحفاظ على محمد وهبي في منصبه أكثر ارتباطاً بالمستقبل منها بالماضي. فالرهان ليس على تقييم مباراة واحدة، وإنما على ضمان استمرارية مشروع قادر على دمج المواهب الصاعدة، خصوصاً مع اقتراب مونديال 2030 الذي سيقام على أرض المغرب. غير أن الاستمرارية لا ينبغي أن تعني الاكتفاء بما هو قائم، بل يجب أن تقترن بمراجعة نقدية للخيارات الفنية، وتقييم موضوعي لمسار التكوين، وتعزيز المراكز التي كشفت البطولة عن هشاشتها.

لقد خسر المغرب أمام فرنسا في النتيجة، لكن الهزيمة الحقيقية ستكون إذا اختزلت هذه المباراة في أخطاء تكتيكية أو غياب مهاجم أو تفوق منافس. فالمباريات تنتهي بصافرة الحكم، أما المشاريع الكروية فتبدأ بعد صافرة النهاية. وإذا كان مونديال قطر قد منح المغرب شرعية الحلم، فإن مونديال 2026 يفرض عليه مسؤولية الانتقال من منطق الإنجاز الاستثنائي إلى منطق البناء المستدام.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي كشفته مباراة فرنسا: ليس كيف خسر المغرب، بل كيف يمكنه أن يصبح، بحلول 2030، منتخباً لا يكتفي بمنافسة الكبار، بل يمتلك منظومة تجعله واحداً منهم بصورة دائمة.