ضرائب لا تُرى بالعين… كيف بدأ المغرب يغيّر قواعد الاقتصاد من جيوب المواطنين إلى خزينة الدولة؟

0
88

لم يعد الإصلاح الضريبي في المغرب مجرد تعديلات تقنية تنشر في الجريدة الرسمية أو مواد قانونية لا يقرأها إلا المختصون، بل أصبح يتسلل تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والشركات، ويعيد رسم العلاقة بين المواطن والإدارة الجبائية وفق منطق جديد يقوم على الرقابة الاستباقية والتحصيل المسبق وتقليص هامش التعامل خارج المنظومة الرسمية.

التدوينة التي نشرها أحد المهتمين بالشأن المالي تحت اسم “Simo Finance”، والتي استعرض فيها الإجراءات الضريبية الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يوليوز، تبدو في ظاهرها مجرد شرح مبسط لمقتضيات قانونية، لكنها في جوهرها تكشف عن مرحلة جديدة من التحول العميق الذي تعرفه السياسة الجبائية المغربية، وهو تحول لا يقتصر على البحث عن موارد إضافية للخزينة، بل يعكس فلسفة جديدة في إدارة الاقتصاد ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل وإعادة تشكيل علاقة الدولة بالمكلفين بالضريبة.

فالخيط الناظم بين مختلف هذه الإجراءات ليس مجرد رفع الضرائب كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما نقل الإدارة الجبائية من مرحلة انتظار التصريح إلى مرحلة التدخل قبل وصول الأموال إلى أصحابها، عبر توسيع آلية الاقتطاع من المنبع، والرقمنة، والتبادل الآني للمعلومات، وتشديد العقوبات، وربط الأداءات المالية بالوضعية الجبائية للمقاولات والأشخاص.

هذه المقاربة الجديدة تستند إلى القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، والذي وضع منذ سنوات تصوراً لإعادة بناء المنظومة الضريبية على أساس توسيع الوعاء الضريبي وتحسين العدالة الجبائية وتقليص التهرب الضريبي. غير أن تنزيل هذه الفلسفة اليوم يدخل مرحلة أكثر حساسية، لأن آثارها لم تعد تقتصر على كبار الفاعلين الاقتصاديين، بل بدأت تمتد إلى مختلف حلقات النشاط الاقتصادي.

أول هذه التحولات يتعلق بمداخيل الكراء المهني، حيث أصبح عدد متزايد من المؤسسات الكبرى والإدارات العمومية والجماعات الترابية والأبناك وشركات التأمين ملزماً باقتطاع نسبة من الضريبة مباشرة عند أداء واجبات الكراء لفائدة المالك، قبل أن يتوصل هذا الأخير بمستحقاته. ومن الناحية التقنية يبدو الأمر بسيطاً، لكنه عملياً ينقل مسؤولية التحصيل من الإدارة الضريبية إلى المؤسسات الدافعة نفسها، ويحولها إلى وسيط جبائي يقوم بالاقتطاع والتصريح والأداء نيابة عن الدولة.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن هذا الإجراء يعكس رغبة واضحة في سد واحدة من أهم الثغرات التي كانت تسمح بإخفاء جزء من مداخيل الكراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعقارات تستغلها شركات أو مؤسسات كبرى. فالإدارة لم تعد تعتمد على حسن نية المكلف، وإنما أصبحت تستخلص الضريبة قبل وصول الدخل إليه، وهو تحول يعزز مداخيل الخزينة لكنه في المقابل يزيد من الأعباء الإدارية والمحاسبية على المؤسسات الملزمة بالاقتطاع.

التحول الثاني يطال الضريبة على القيمة المضافة، حيث أصبح صرف مستحقات مقدمي الخدمات مرتبطاً بالتحقق من وضعيتهم الجبائية. فالمؤسسات العمومية وبعض الشركات الكبرى لن تؤدي كامل الضريبة إلا بعد التأكد من انتظام المورد أو المقاول في التزاماته تجاه إدارة الضرائب، وإلا سيتم اقتطاع نسبة كبيرة أو كامل مبلغ الضريبة على القيمة المضافة.

ورغم أن الهدف المعلن هو محاربة التهرب الضريبي، فإن هذا الإجراء يخلق أيضاً نوعاً من الرقابة المتبادلة بين المتعاملين الاقتصاديين، إذ تصبح كل مؤسسة مطالبة بالتحقق من الوضعية الضريبية لشركائها قبل الأداء، وهو ما يحول القطاع الخاص نفسه إلى جزء من منظومة المراقبة الجبائية.

أما القرار المتعلق بفرض رسم إضافي بنسبة 2 في المائة على المعاملات العقارية التي يتم أداؤها نقداً عندما تتجاوز قيمتها 300 ألف درهم، فإنه يحمل رسالة تتجاوز مجرد فرض رسم مالي جديد. فالدولة هنا تعلن بوضوح حربها على الاقتصاد النقدي، وتسعى إلى دفع المواطنين نحو استعمال الوسائل البنكية وتعزيز قابلية تتبع حركة الأموال، بما ينسجم مع المعايير الدولية لمحاربة غسل الأموال والتهرب الضريبي والاقتصاد الموازي.

غير أن هذا الإجراء يطرح في المقابل أسئلة اجتماعية لا تقل أهمية عن أهدافه الاقتصادية، خاصة في مجتمع لا يزال يعتمد بشكل واسع على التعامل النقدي، سواء بسبب ضعف الشمول المالي أو بفعل الثقافة الاقتصادية السائدة أو لانعدام الثقة الكاملة لدى جزء من المواطنين في النظام البنكي. ولذلك فإن الانتقال من اقتصاد السيولة إلى اقتصاد الأداءات الرقمية لا يتحقق بمجرد فرض رسوم أو عقوبات، بل يحتاج إلى بناء الثقة وتوسيع الخدمات البنكية وتحسين الولوج إليها.

أما أكثر الإجراءات دلالة فهو تشديد الالتزامات التصريحية ورفع العقوبات على المتأخرين أو الممتنعين عن التصريح. فالغرامات التي قد تصل إلى 20 في المائة، إلى جانب إمكانية فرض الضريبة تلقائياً، تعكس انتقال الإدارة من منطق التسوية إلى منطق الردع، وهو ما يعني أن هامش التساهل الإداري يتقلص تدريجياً لفائدة نموذج أكثر صرامة يعتمد على الرقمنة والبيانات المتقاطعة والقرارات الآلية.

وعند قراءة هذه الإجراءات كوحدة متكاملة، يتضح أنها لا تمثل مجرد إصلاح ضريبي، بل تشكل جزءاً من مشروع أكبر لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، يقوم على تقليص الاقتصاد غير المهيكل، وربط مختلف العمليات المالية بالإدارة الضريبية، وتعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل الميزانية العامة.

غير أن نجاح هذا المشروع لن يقاس فقط بحجم الموارد الإضافية التي ستدخل خزينة الدولة، وإنما أيضاً بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين فعالية التحصيل والعدالة الضريبية. فكلما ارتفعت مستويات الرقابة دون تحسين جودة الخدمات العمومية أو تعزيز الإحساس بالمساواة بين الملزمين، قد تتحول الضريبة من أداة للتضامن الوطني إلى مصدر جديد للتوتر بين المواطن والإدارة.

ومن زاوية فلسفية أوسع، تكشف هذه الإجراءات أن الدولة الحديثة لم تعد تكتفي بممارسة سلطتها عند وقوع المخالفة، بل أصبحت تسعى إلى بناء منظومة تجعل المخالفة نفسها أكثر صعوبة من خلال التحكم في مسارات المال قبل تداوله. إنها دولة تعتمد على البيانات والرقمنة والتتبع المستمر، حيث تصبح المعلومة الجبائية جزءاً من البنية الأساسية للحكامة الاقتصادية.

ويبقى الرهان الحقيقي هو ألا يتحول هذا التشدد في التحصيل إلى عبء إضافي يثقل كاهل المقاولات الصغرى والمتوسطة أو يربك المستثمرين، بل أن يكون مدخلاً لإرساء عقد ضريبي جديد يقوم على مبدأ بسيط: كلما ارتفعت درجة الامتثال الضريبي، ارتفع في المقابل مستوى الثقة، وتحسنت الخدمات العمومية، وتعزز الشعور بأن الضريبة ليست مجرد اقتطاع من الدخل، بل مساهمة عادلة في بناء الدولة.