حين قال أخنوش: “نحن نصنع الكفاءات”… هل كان يخاطب مناضليه أم يرد على “ميركاتو” حليفه؟

0
118

في السياسة، ليست كل الرسائل تُقال بصراحة، وليست كل الخصومات تُعلن بالأسماء. ففي كثير من الأحيان، تختار القيادات السياسية لغة تبدو عامة، لكنها تكون شديدة التحديد بالنسبة لمن يعرف سياقها. الكلمات نفسها قد تبدو خطاباً تنظيمياً أمام المناضلين، لكنها تتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى رسائل مشفرة موجهة إلى الخصوم والحلفاء معاً. ومن هذا المنظور، يصعب قراءة خطاب عزيز أخنوش بمدينة الداخلة باعتباره مجرد عرض لحصيلة حكومية أو برنامج انتخابي، لأن توقيته ومفرداته والسياق الذي قيل فيه يمنحانه أبعاداً تتجاوز ظاهر النص.

فالرجل لم يكتف بالدفاع عن منجزات حكومته، ولم يقتصر على الحديث عن الاستثمار أو الصحة أو التعليم أو التنمية بالأقاليم الجنوبية، بل توقف عند عبارة بدت، للوهلة الأولى، عابرة: “لسنا في ميركاتو انتخابي، بل حزب يصنع كفاءاته ولا يستقطب الأسماء في آخر اللحظات.”

سياسياً، لا تبدو هذه الجملة معزولة عن الأحداث التي سبقتها بأيام فقط. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة انضمام فوزي لقجع مباشرة إلى مكتبه السياسي، وهو مسؤول لم يعرف عنه انتماء حزبي سابق، ولم يتدرج داخل هياكل الحزب، بل انتقل مباشرة إلى أعلى هيئة قيادية فيه. هذا التزامن الزمني جعل عدداً من المتابعين يقرأون تصريح أخنوش باعتباره تعليقاً غير مباشر على ما جرى، حتى وإن لم يذكر اسم الحزب أو اسم لقجع صراحة.

وهنا تبدأ القراءة بين السطور.

فالسياسة ليست مجرد تنافس على المقاعد، بل هي أيضاً صراع على الرواية. وكل حزب يحاول أن يقنع الناخب بأن طريقته في بناء النخب أكثر شرعية من طريقة منافسيه. وعندما يقول أخنوش إن حزبه “يصنع الكفاءات”، فإنه لا يكتفي بمدح تنظيمه، بل يرسم، في المقابل، صورة معاكسة لطريقة أخرى في العمل الحزبي، تقوم – بحسب هذا الخطاب – على استقطاب شخصيات جاهزة قبيل الانتخابات.

وهنا تكمن القوة البلاغية في العبارة؛ فهي لا تتهم أحداً بشكل مباشر، لكنها تتيح للجمهور أن يربط بنفسه بين الكلام والسياق.

وهذا ما يجعل الخطاب يحمل مستويين في آن واحد. المستوى الأول تنظيمي، يهدف إلى رفع معنويات مناضلي التجمع الوطني للأحرار وإقناعهم بأن الحزب يمتلك من الكفاءات ما يغنيه عن البحث عنها خارج صفوفه. أما المستوى الثاني فهو سياسي، يوجه رسالة إلى المنافسين مفادها أن الحزب لا يريد أن يدخل سباق “الميركاتو الانتخابي”، وأن شرعيته تقوم، بحسب منطقه، على الاستثمار الطويل في الأطر الحزبية، لا على استقطاب الأسماء اللامعة في الأسابيع الأخيرة.

لكن قراءة الخطاب من زاوية العلاقة بين حزبي الأغلبية تفتح أسئلة أكثر عمقاً.

فالتجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة ليسا حزبين متواجهين في المعارضة والموالاة، بل يشكلان معاً جزءاً من الأغلبية الحكومية. ومع ذلك، فإن اقتراب موعد الانتخابات يجعل منطق التحالف الحكومي يتراجع تدريجياً أمام منطق التنافس الانتخابي. فكل حزب داخل الأغلبية يسعى إلى توسيع كتلته البرلمانية، وكل حزب يريد أن يكون المتصدر، لأن تصدر النتائج يمنح، دستورياً، أفضلية اقتراح رئيس الحكومة.

ومن هنا، فإن المنافس الحقيقي لكل حزب لا يكون دائماً في المعارضة، بل قد يكون أقرب حلفائه.

وهذا ما يجعل عبارة “لا نستقطب الكفاءات في آخر اللحظات” قابلة للقراءة باعتبارها إعلاناً عن بداية التنافس داخل الأغلبية نفسها. فالحليف الحكومي يتحول، مع اقتراب الانتخابات، إلى منافس مباشر على الزعامة الانتخابية، حتى وإن استمر التنسيق بين الطرفين داخل الحكومة.

ويكشف هذا التحول عن واحدة من خصائص الأنظمة التعددية؛ فالأحزاب تستطيع أن تتقاسم السلطة في مجلس حكومي واحد، لكنها تتنافس، في الوقت نفسه، على قيادة الحكومة المقبلة. ولذلك، فإن الخطاب السياسي يصبح أكثر حدة، وإن بقي محافظاً على لغة دبلوماسية لا تذكر الخصوم بالأسماء.

ومن زاوية أخرى، فإن استعمال أخنوش لمصطلح “الميركاتو الانتخابي” لم يكن اختياراً لغوياً بريئاً. فالمصطلح مستعار من عالم كرة القدم، حيث تنتقل الأسماء الكبيرة بين الأندية خلال فترة الانتقالات. واستخدامه في هذا السياق يوحي بأن بعض الأحزاب، وفق هذا التصور، تتعامل مع الانتخابات كما تتعامل الأندية مع سوق اللاعبين؛ أي البحث عن الأسماء الأكثر شهرة قبل صافرة البداية، بدل الاستثمار في تكوينها على المدى الطويل.

هذه الصورة البلاغية تمنح الخطاب بعداً رمزياً قوياً، لأنها تنقل النقاش من الأشخاص إلى فلسفة العمل الحزبي. فهل الحزب مؤسسة لتكوين القيادات؟ أم مجرد إطار لاستقطابها عندما تقترب الانتخابات؟ هنا لا يعود الحديث عن فوزي لقجع أو عن أي اسم بعينه، بل عن نموذجين مختلفين في بناء الأحزاب.

غير أن هذا الخطاب يطرح، في المقابل، سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الحياة الحزبية المغربية نفسها. فإذا كانت الأحزاب تتنافس اليوم على استقطاب كبار المسؤولين وأصحاب الخبرة، فهل يعكس ذلك ضعفاً في إنتاج النخب من داخل التنظيمات؟ أم أنه تطور طبيعي يجعل الأحزاب أكثر انفتاحاً على الكفاءات القادمة من الإدارة والجامعة والقطاع الخاص والمجتمع المدني؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. ففي الديمقراطيات المقارنة، تلجأ أحزاب كثيرة إلى استقطاب شخصيات لم تنشأ داخلها، خصوصاً عندما تمتلك خبرة تقنية أو رصيداً مؤسساتياً يمكن أن يعزز حضورها. وفي المقابل، ترى مدارس سياسية أخرى أن الحزب الذي يعجز عن إنتاج قياداته من داخله يفقد جزءاً من هويته التنظيمية.

ولهذا، فإن الجدل الذي أثاره خطاب أخنوش يتجاوز المنافسة الظرفية بين “الأحرار” و”الأصالة والمعاصرة”. إنه يعيد فتح نقاش قديم حول معنى الحزب السياسي نفسه: هل هو مدرسة لتكوين القيادات، أم منصة لاستقطاب الشخصيات ذات النفوذ والخبرة؟

وفي العمق، لا تبدو الرسالة موجهة فقط إلى حزب منافس، بل إلى الناخب أيضاً. فأخنوش يحاول أن يقول إن الثقة لا تُمنح لمن يجمع الأسماء في الأسابيع الأخيرة، وإنما لمن راكم عملاً ميدانياً، وبنى كوادره، وقدم مشروعاً مستمراً. أما مدى اقتناع المواطنين بهذه الرواية، فذلك لن تحسمه الخطب السياسية، بل ستحسمه صناديق الاقتراع.

وهكذا، قد لا يكون أخنوش قد ذكر حزب الأصالة والمعاصرة بالاسم، لكنه اختار توقيتاً ولغةً سمحا لخطابه بأن يُقرأ باعتباره رسالة سياسية مزدوجة: رسالة تعبئة داخلية لمناضلي “الأحرار”، ورسالة منافسة مبكرة لحليف حكومي أصبح، مع اقتراب الانتخابات، الخصم الأكثر قرباً في معركة قيادة المرحلة المقبلة.