حين يسأل اليهودي المغربي: “واش حنا مشي مغاربة؟”… صرخة جمعية من الناظور تختبر معنى المواطنة قبل معنى الدعم

0
129

لم يكن أكثر ما استوقف الرأي العام في الشريط المصور الذي بثه رئيس جمعية ابن ميمون للتراث اليهودي المغربي بالناظور هو حديثه عن منحة مالية لم يحصل عليها، ولا حتى احتجاجه على ما اعتبره إقصاءً متكررًا لجمعيته من برامج الدعم العمومي، بل كانت تلك الجملة الثقيلة التي خرجت من قلب الرجل قبل أن تخرج من لسانه: “واش حنا مشي مغاربة؟”.

إنها ليست مجرد عبارة انفعالية في سياق نزاع إداري حول طلب دعم، بل سؤال وجودي يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المغرب الحديث: ملف المواطنة حين تصبح الهوية الدينية موضوعًا للشعور بالتمييز، ولو على مستوى الإحساس الشخصي أو الإداري.

ذلك أن القضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بجمعية ثقافية، وإنما تمس صورة النموذج المغربي الذي ظل يقدم نفسه، داخليًا وخارجيًا، باعتباره نموذجًا استثنائيًا في التعايش بين المسلمين واليهود، وفي حماية المكون العبري باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية التي كرسها دستور 2011.

من الدعم إلى سؤال الدولة

في ظاهر الخطاب، يتحدث رئيس الجمعية عن رفض متكرر لطلبات الدعم التي تقدم بها إلى المجلس الإقليمي، ويقول إن جمعيته تستوفي الشروط القانونية، وتمارس أنشطة ثقافية وتعريفية وصيانة للتراث اليهودي المغربي، وتستقبل وفودًا داخل المغرب وخارجه، وتسهم ـ حسب قوله ـ في خدمة الأهداف الثقافية للمملكة.

لكن بين السطور يظهر أن الرجل لا يبحث فقط عن تفسير لرفض الدعم، بل يطالب بما هو أعمق: الحق في معرفة سبب الرفض.

وهنا يصبح السؤال الإداري سؤالًا دستوريًا.

ففي دولة المؤسسات، لا يشكل رفض طلب الدعم في حد ذاته إشكالًا قانونيًا إذا كان مؤسسًا على معايير معلنة وموضوعية، لكن الإشكال يبدأ عندما يغيب التعليل، ويستمر الصمت الإداري، ويشعر صاحب الطلب بأن باب الحوار قد أُغلق.

فالشفافية لا تحمي فقط المال العام، بل تحمي أيضًا ثقة المواطن في الإدارة.

بين الوقائع والانطباعات

من المهم التمييز بين أمرين.

الأول هو ما تؤكده الجمعية باعتباره معطيات تعيشها، من تكرار رفض الدعم وعدم تلقي أجوبة على شكاياتها.

أما الثاني فهو تفسيرها لهذه الوقائع، حين تربطها باحتمالات وجود دوافع دينية أو عرقية أو سياسية أو انتخابية، أو تعتبرها مظهرًا من مظاهر معاداة السامية.

وهنا ينبغي التذكير بأن هذه الاستنتاجات تظل في حدود ما تعبر عنه الجمعية ورئيسها، ولا تشكل وقائع ثابتة ما لم تثبتها الجهات المختصة أو تسفر عنها نتائج أي تحقيق إداري أو قضائي.

غير أن مجرد شعور جمعية مغربية بهذا النوع من الإقصاء يظل في حد ذاته معطى يستحق الإصغاء، لأن الديمقراطيات لا تقيس فقط الوقائع، بل تقيس أيضًا مستوى الثقة بين المواطن والإدارة.

الدستور يتحدث… فهل تتحدث الإدارة؟

ينص الدستور المغربي بوضوح على أن الروافد العبرية تشكل أحد مكونات الهوية المغربية الموحدة، وهو اعتراف دستوري غير مسبوق في العالم العربي.

كما أن المؤسسة الملكية جعلت من صيانة التراث اليهودي المغربي خيارًا استراتيجيًا، تُرجم إلى ترميم المعابد والمقابر اليهودية، وتأهيل المزارات، وإدراج هذا الموروث ضمن الذاكرة الوطنية، فضلًا عن الدور الذي يقوم به مستشار جلالة الملك السيد أندري أزولاي في ترسيخ هذا النموذج.

لهذا يبدو التناقض مؤلمًا عندما يشعر فاعل مدني يشتغل داخل هذا الإطار بأنه غير قادر على الوصول إلى دعم محلي، أو إلى مجرد جواب إداري يفسر قرارًا يهمه.

فإذا كانت الدولة المركزية تبني صورة المغرب باعتباره بلدًا للتعددية والانفتاح، فإن الإدارة الترابية مطالبة بأن تعكس هذه الفلسفة في ممارساتها اليومية، لأن قوة السياسات العمومية لا تُقاس بالخطب، وإنما بكيفية تنزيلها على الأرض.

هل تغير المجتمع؟

أخطر ما ورد في الشريط لم يكن الحديث عن الدعم، وإنما حديث رئيس الجمعية عن انتشار خطاب الكراهية والتحريض على اليهود عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وربطه بين ذلك وبين ما يعتبره عقلية رافضة لأي نشاط مرتبط بالتراث اليهودي المغربي.

هذا التوصيف يفتح نقاشًا أوسع من حدود الناظور.

فالمغرب عاش قرونًا من التعايش بين المسلمين واليهود، وكانت الأحياء اليهودية، والأسواق المشتركة، والعلاقات الاجتماعية، جزءًا من الحياة اليومية في مدنه وقراه.

لكن السنوات الأخيرة، في ظل التحولات الإقليمية، والحروب في الشرق الأوسط، والانفجار الرقمي، جعلت الخط الفاصل بين نقد السياسات الإسرائيلية وبين استهداف اليهود كأشخاص أو كمكون وطني أكثر هشاشة لدى بعض الفاعلين في الفضاء الرقمي.

وهنا يصبح التحدي الحقيقي هو حماية النقاش السياسي المشروع، وفي الوقت نفسه حماية المواطنين المغاربة اليهود من أي خطاب قد يمس كرامتهم أو حقوقهم بسبب انتمائهم الديني.

المغرب ليس مجتمعًا أحاديًا

قد يغيب عن كثيرين أن المجتمع المغربي، من الناحية الدستورية والتاريخية، ليس مجتمعًا أحادي الهوية الدينية في ذاكرته الوطنية، بل هو مجتمع تشكل عبر روافد متعددة، كان اليهود أحد أهم مكوناتها.

صحيح أن المسلمين يشكلون الأغلبية الساحقة، بينما يشكل اليهود أقلية عددية اليوم، لكن المواطنة في الدولة الحديثة لا تُقاس بالأغلبية والأقلية، وإنما بالمساواة أمام القانون.

فالحقوق لا تُمنح بحسب العدد، بل بحسب صفة المواطنة.

ولهذا فإن أي مواطن مغربي، أو جمعية مغربية تستوفي الشروط القانونية، من حقها أن تعرف لماذا قُبل طلبها أو لماذا رُفض، دون أن يظل الأمر محاطًا بالصمت أو الغموض.

الرسالة التي لم تُقل

وراء كلمات رئيس الجمعية رسالة أعمق.

فهو لا يخاطب فقط المجلس الإقليمي، ولا حتى عامل الإقليم الذي طالبه بالتدخل، بل يخاطب الدولة المغربية كلها، وكأنه يقول: إذا كان المغرب يعتبر التراث اليهودي جزءًا من هويته، فمن يحمي من يشتغلون على هذا التراث عندما يشعرون بالإقصاء؟

إنه سؤال لا يتعلق بالمال، بقدر ما يتعلق بالاعتراف.

فالاعتراف يسبق الدعم.

والجواب يسبق القرار.

والشفافية تسبق الثقة.

ما الذي ينبغي أن يحدث؟

إذا كانت الجمعية تعتبر نفسها متضررة، فإن المسار المؤسساتي السليم يقتضي أن تنظر الجهات المختصة في شكايتها، وأن تتلقى جوابًا إداريًا معللًا يوضح أسباب قبول أو رفض طلباتها، وفق المعايير القانونية والتنظيمية المعتمدة.

فإن ثبت وجود خلل أو تمييز، وجب تصحيحه وفق القانون.

وإن تبين أن قرارات الرفض مؤسسة على معايير موضوعية، فإن توضيحها للرأي العام وللجمعية سيكون كفيلًا بتبديد كثير من الشكوك.

فالإدارة الرشيدة لا تخشى التعليل، بل تعتبره أحد أركان الحكامة الجيدة.

خاتمة: اختبار للنموذج المغربي

هذه القضية ليست مجرد خلاف بين جمعية ومجلس إقليمي، ولا ينبغي اختزالها في منحة مالية.

إنها امتحان هادئ لمدى قدرة النموذج المغربي على ترجمة فلسفته الدستورية إلى ممارسة يومية.

فحين يسأل مواطن مغربي يهودي: “واش حنا مشي مغاربة؟”، فإن الجواب لا ينبغي أن يكون بيانًا إعلاميًا فقط، بل ممارسة مؤسساتية، وإدارة شفافة، ومساطر واضحة، وعدالة في التعامل مع جميع الجمعيات دون اعتبار للانتماء الديني أو الخلفية الفكرية.

لقد عاش المسلمون واليهود في المغرب قرونًا وهم يشكلون نسيجًا واحدًا، اختلفت عقائدهم ولم تختلف وطنيتهم. ولذلك فإن صيانة هذا الإرث لا تمر فقط عبر ترميم المعابد والمقابر والمزارات، بل تبدأ أيضًا من ترميم الثقة بين المواطن والإدارة، حتى يبقى سؤال المواطنة سؤالًا محسومًا في الدستور… لا سؤالًا يُطرح من جديد أمام كاميرا هاتف.