حين انتهت حرب أكتوبر 1973، لم يكن الزلزال الحقيقي هو عبور الجيش المصري قناة السويس، بل ما أحدثه ذلك العبور داخل العقل الإسرائيلي.
فقد أدركت الدولة، لأول مرة، أن التفوق العسكري لا يمنح حصانة أبدية، وأن الاستخبارات قد تخطئ، وأن السياسة قد تصبح عبئًا على الأمن.
خرجت من تلك الحرب لجنة أغرنات، وسقطت حكومة غولدا مائير، وأعيد بناء العقيدة العسكرية الإسرائيلية على أسس جديدة.
لكن ما يواجه إسرائيل اليوم يبدو أكثر تعقيدًا.
لأن أزمة السابع من أكتوبر لا تتعلق بفشل عملية عسكرية أو تقدير استخباري فقط، بل تمس الفرضيات التي حكمت الدولة طوال ربع قرن بعد اتفاق أوسلو، ثم بعد الانسحاب من غزة عام 2005، وصولًا إلى سياسة “إدارة الصراع” التي تبناها بنيامين نتنياهو.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد داخل مراكز الفكر الإسرائيلية أكثر مما يتردد في الحملات الانتخابية:
هل انتهى النموذج الذي حكم إسرائيل منذ مطلع الألفية؟
من “إدارة الصراع” إلى “إدارة الدولة المحاصرة”
لسنوات طويلة، راهنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على فكرة بسيطة:
لا حاجة إلى حل القضية الفلسطينية.
يكفي إدارة الأزمة.
توسيع الاقتصاد.
تعميق العلاقات الإقليمية.
وتوظيف التفوق العسكري لاحتواء أي انفجار.
وقد بدت هذه المعادلة ناجحة، خصوصًا بعد توقيع اتفاقات أبراهام، واتساع التعاون مع عدد من الدول العربية، وتحول إسرائيل إلى قوة تكنولوجية واقتصادية مؤثرة.
لكن السابع من أكتوبر كشف حدود هذه الرؤية.
إذ أثبت أن الصراع الذي يُترك بلا تسوية لا يختفي، بل يتغير شكله.
وأن الازدهار الاقتصادي لا يعوض غياب الاستقرار السياسي.
وأن التطبيع الإقليمي، مهما اتسع، لا يلغي تأثير القضية الفلسطينية في الأمن الإسرائيلي.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي داخل إسرائيل لم يعد يدور فقط حول كيفية الانتصار في الحرب، بل حول ما إذا كانت فلسفة “إدارة الصراع” نفسها قد وصلت إلى نهايتها.
المؤسسة العسكرية.. عودة السياسة إلى الثكنات
منذ قيام الدولة، كان الجيش الإسرائيلي أكثر من مؤسسة دفاعية.
لقد كان مصنعًا للنخب السياسية.
وكثير من رؤساء الحكومات ووزراء الدفاع خرجوا من صفوفه.
لكن الحرب الحالية أعادت إنتاج توتر قديم بين الجنرال والسياسي.
المؤسسة العسكرية تميل بطبيعتها إلى تعريف النجاح بمعايير عملياتية: السيطرة على الأرض، وتدمير القدرات العسكرية للخصم، وتقليص المخاطر المباشرة.
أما القيادة السياسية، فتبحث عن نتائج قابلة للتسويق داخليًا وخارجيًا.
وهنا تتولد الفجوة.
فكلما طالت الحرب، ازداد الضغط على الجيش لتحقيق أهداف يصعب ترجمتها إلى واقع سياسي دائم.
ولهذا، تظهر داخل الأوساط الإسرائيلية تساؤلات متزايدة حول حدود الدور العسكري، وما إذا كانت السياسة قد حمّلت الجيش أهدافًا تتجاوز قدرته على تحقيقها.
المجتمع الإسرائيلي.. بداية انقسام جديد
اعتادت إسرائيل أن تواجه أخطارها الخارجية وهي أكثر تماسكًا داخليًا.
لكن السنوات الأخيرة كشفت عن انقسامات عميقة:
بين العلمانيين والمتدينين.
بين المركز والأطراف.
بين النخب القضائية والحكومة.
بين أنصار الدولة الليبرالية وأنصار الدولة ذات الطابع القومي والديني.
بعد ذلك جاءت الحرب لتؤجل هذه الانقسامات، لكنها لم تلغها.
بل ربما زادتها عمقًا.
فكلما اقتربت الانتخابات، يعود الجدل حول القضاء، والتجنيد، والدين، ومستقبل النظام السياسي.
ومن هنا، فإن إسرائيل لا تواجه فقط سؤال الأمن، بل تواجه أيضًا سؤال الهوية.
العلاقة مع واشنطن.. تحالف يتغير
لطالما وُصفت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بأنها ثابتة.
وهذا صحيح إلى حد بعيد.
لكن الثابت لا يعني أنه لا يتغير.
فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى الشرق الأوسط من منظور مختلف.
أولوياتها الاستراتيجية أصبحت في آسيا وأوروبا.
وتريد شرق أوسط أقل اضطرابًا، يسمح لها بتوجيه مواردها إلى منافسين آخرين.
أما إسرائيل، فتعيش في بيئة ترى أن الأمن لا يزال يبدأ من حدودها المباشرة.
وهذا الاختلاف في ترتيب الأولويات قد يفسر بعض التباينات التي ظهرت خلال العامين الأخيرين.
التحالف لن ينهار.
لكنه قد يصبح أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا جاءت حكومة إسرائيلية أكثر تشددًا، أو إذا تصاعدت الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب.
هل يمكن أن يخسر اليمين؟
من الخطأ اختزال الانتخابات المقبلة في سؤال: هل يبقى نتنياهو أم يرحل؟
فحتى لو غادر الرجل، فإن الأفكار التي أوصلت اليمين إلى السلطة لن تختفي بسهولة.
لقد تغير المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ازدادت قوة الأحزاب الدينية.
وتعزز حضور التيارات القومية.
وأصبح الأمن القضية الأكثر تأثيرًا في سلوك الناخب.
ولذلك، فإن أي تغيير في السلطة قد لا يعني تغييرًا جذريًا في السياسات.
بل ربما يعني إعادة توزيع للأدوار داخل المعسكر نفسه.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل إسرائيل
أولًا: استمرار اليمين
إذا احتفظ اليمين بالأغلبية، فمن المرجح أن تستمر السياسة الحالية، مع تركيز أكبر على المناطق العازلة، وتعزيز الوجود العسكري، وإعطاء الأولوية للاعتبارات الأمنية.
لكن هذا السيناريو يعني أيضًا استمرار الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، واتساع الفجوة مع جزء من الرأي العام الغربي.
ثانيًا: حكومة وسطية
قد تتمكن قوى الوسط من تشكيل حكومة جديدة إذا نجحت في بناء تحالف واسع.
غير أن هذه الحكومة ستواجه القيود نفسها.
فهي لن تستطيع تجاهل البيئة الأمنية الجديدة، ولن تتمكن من العودة بسهولة إلى سياسات ما قبل السابع من أكتوبر.
أي أنها قد تغير أسلوب الإدارة، لكنها لن تغير البيئة الاستراتيجية التي فرضتها الحرب.
ثالثًا: أزمة حكم طويلة
وهو السيناريو الذي يقلق كثيرًا من الباحثين.
أن تفرز الانتخابات خريطة برلمانية شديدة الانقسام، تؤدي إلى حكومات قصيرة العمر، وتعيد إسرائيل إلى دوامة عدم الاستقرار السياسي التي عاشتها بين عامي 2019 و2022.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية، سيكون لهذا السيناريو كلفته السياسية والاقتصادية.
الدولة التي تقف أمام مرآتها
التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه كثيرًا ما يفرض على الدول امتحانات متشابهة.
وفي تاريخ إسرائيل، كانت هناك ثلاث لحظات أعادت تعريف الدولة:
قيامها عام 1948.
وحرب أكتوبر 1973.
ثم السابع من أكتوبر 2023.
الفارق أن اللحظتين الأوليين انتهتا بإجابات واضحة نسبيًا.
أما اللحظة الثالثة، فما زالت الأسئلة فيها أكبر من الإجابات.
فالانتخابات المقبلة لن تحدد فقط من يجلس في مكتب رئيس الوزراء.
بل ستكشف أي طريق ستختار إسرائيل:
هل تستمر في بناء دولة تعيش وفق منطق الحرب الدائمة؟
أم تبدأ مراجعة سياسية تعيد التوازن بين القوة العسكرية، والشرعية السياسية، والاستقرار الداخلي؟
حتى الآن، لا يبدو أن النخبة الإسرائيلية تملك إجابة حاسمة.
ولهذا، فإن أكتوبر المقبل قد لا يكون مجرد موعد انتخابي، بل محطة تاريخية تقرر شكل الدولة الإسرائيلية لعقد كامل، وربما لأجيال قادمة.


