من دفاتر الإيكونوميست: دمشق لم تعد المدينة التي كانت تستيقظ قبل الشمس

0
45
تحليل سياسي يقرأ دلالات تصنيف دمشق في المرتبة الأخيرة عالمياً بمؤشر قابلية العيش لعام 2026، ويستعرض كيف أعادت الحرب والاقتصاد والعقوبات تشكيل مستقبل العاصمة السورية.
مشهد من العاصمة السورية دمشق - مصدر الصورة: غيتي

في دمشق، لا يحتاج الصباح إلى من يوقظه. كانت المدينة تفعل ذلك بنفسها. يفتح بائع الخبز دكانه قبل الفجر، ويتسلل صوت المؤذن من بين حجارة الجامع الأموي، وتبدأ الأزقة القديمة في استعادة أنفاسها. كانت العاصمة تبدو كأنها تعرف جيدًا كيف تبدأ يومًا جديدًا، حتى في أصعب الأزمنة.

لكن المدن، مثل البشر، يمكن أن تتعب.

وحين أعلنت وحدة استخبارات الإيكونوميست (EIU) أن دمشق جاءت في المركز الأخير عالميًا في مؤشر قابلية العيش لعام 2026، لم يكن الخبر مجرد رقم في تقرير دولي. كان أشبه بصورة التقطت لمدينة أنهكتها 15 عامًا من الحرب، ولم تجد بعد الطريق الكامل إلى التعافي. فقد حصلت العاصمة السورية على 32 نقطة فقط من أصل 100، لتتذيل قائمة ضمت 173 مدينة حول العالم.

ليست المدينة.. بل السنوات الثقيلة

من السهل أن يقرأ العالم النتيجة باعتبارها ترتيبًا إحصائيًا، لكن أهل دمشق يعرفون أن خلف كل نقطة قصة.

قصة مدرسة تأخر ترميمها.

ومستشفى يعمل بأجهزة قديمة.

وشارع ينتظر إصلاحًا منذ سنوات.

وموظف يخرج من منزله قبل ساعات ليصل إلى عمله بسبب نقص وسائل النقل.

لقد تركت الحرب السورية، التي بدأت في عام 2011، آثارًا عميقة على الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات العامة. وتشير تقديرات دولية إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، بينما لا تزال قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم تعاني من فجوات كبيرة رغم تراجع حدة المعارك في معظم أنحاء البلاد.

ماذا تقيس الإيكونوميست؟

يعتمد مؤشر قابلية العيش على 5 معايير رئيسية: الاستقرار، والرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية، والثقافة والبيئة.

وفي دمشق جاءت الأرقام قاسية: 20 نقطة في الاستقرار، 32 في الرعاية الصحية، 41 في التعليم، 32 في البنية التحتية، و33 في الثقافة والبيئة.

وهذه الأرقام لا تعني أن الحياة توقفت، لكنها تعني أن الحياة أصبحت أصعب مما ينبغي.

الحرب تنتهي.. لكن آثارها لا ترحل بسرعة

حين تتوقف المدافع، يظن كثيرون أن المدن تبدأ فوراً في التعافي.

لكن الحقيقة مختلفة.

فالطرق تحتاج إلى سنوات.

والمستشفيات تحتاج إلى استثمارات.

والاقتصاد يحتاج إلى الثقة.

والناس يحتاجون إلى الأمل.

في دمشق، ما زالت العقوبات الغربية، ونقص التمويل، وضعف الاستثمار، وتراجع القوة الشرائية، عوامل تضغط على الحياة اليومية، حتى بعد تغير المشهد السياسي وبدء محاولات الانفتاح الإقليمي والدولي على سوريا خلال العامين الماضيين.

دمشق.. وصورة سوريا

العواصم لا تمثل نفسها فقط.

إنها تمثل صورة الدولة كلها.

وحين تأتي دمشق في ذيل قائمة المدن الأكثر قابلية للعيش، فإن الرسالة تتجاوز العاصمة إلى مؤسسات الدولة السورية بأكملها.

فالمدن لا تقاس بعدد سكانها، بل بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وإقناع الشباب بالبقاء فيها، وجذب المستثمرين، واستعادة الحياة الطبيعية.

هل يمكن أن يتغير المشهد؟

التاريخ يقول نعم.

فمدن كثيرة خرجت من الحروب وعادت أقوى مما كانت.

برلين بعد الحرب العالمية الثانية.

بيروت بعد الحرب الأهلية، رغم تعثرها لاحقًا.

سراييفو بعد حصارها الطويل.

لكن جميع هذه المدن احتاجت إلى 3 عناصر: استقرار سياسي، موارد اقتصادية، وانفتاح على العالم.

وسوريا لا تزال تبحث عن هذه العناصر الثلاثة في وقت واحد.

الرقم والحقيقة

قد يبدو المركز الأخير مهينًا لمدينة تعد من أقدم العواصم المأهولة في التاريخ.

لكن دمشق لا تختصرها التقارير.

فالمدينة التي صمدت آلاف السنين لا يمكن اختزالها في جدول إحصائي، كما أن تجاهل الأرقام لن يغير الواقع.

ربما يكون التقرير، في النهاية، جرس إنذار أكثر منه حكمًا نهائيًا.

فالقصة الحقيقية ليست أن دمشق جاءت الأخيرة.

القصة الحقيقية هي: كم تحتاج من الوقت حتى تغادر هذا المكان؟

ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه مؤشرات الإيكونوميست، بل ستجيب عنه السنوات المقبلة، وقدرة السوريين على إعادة بناء مدينة اعتادت أن تكون بداية الطرق.. لا نهايتها.