في السياسة، لا تُقاس قوة الخطاب بعدد العبارات القاسية التي يتضمنها، ولا بقدرته على إسكات الخصم، وإنما بقدرته على تغيير السؤال الذي يشغل الرأي العام. فالسياسي الذي يظل أسير الاتهامات المفصلة يبقى يتحرك داخل الملعب الذي اختاره خصومه، بينما السياسي الذي ينجح في إعادة تعريف طبيعة الصراع يكون قد انتزع زمام المبادرة قبل أن يبدأ النقاش الحقيقي. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة الرد الأخير لمحمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، باعتباره أكثر من مجرد رد على إعلامي، بل محاولة واعية لإعادة كتابة قواعد الاشتباك السياسي في لحظة انتخابية تتزايد فيها أهمية المعركة على الرأي العام بقدر أهمية المعركة على الأصوات.
اللافت منذ السطور الأولى أن أوزين لم يسلك الطريق التقليدي الذي ينتظره الجمهور عادة من أي مسؤول سياسي يتعرض لاتهامات، فلم يبدأ بتفنيد الوقائع ولا بالدخول في سجال تفصيلي حول ما نُشر، بل اتخذ قراراً استراتيجياً أكثر أهمية؛ وهو نقل النقاش من سؤال: “هل الاتهامات صحيحة؟” إلى سؤال آخر أكثر تأثيراً: “هل من يوجه هذه الاتهامات يمتلك أصلاً الشرعية الأخلاقية والمهنية التي تخوله مخاطبة الرأي العام؟”. وهنا يكمن التحول الحقيقي في الخطاب، إذ انتقل مركز الثقل من مضمون الاتهام إلى شخصية مطلقه، في محاولة لإعادة توزيع أدوار الصراع منذ بدايته.
ومن هذا المنطلق، لم يكن استحضار شخصية “هَبَنَّقَة” مجرد استعارة أدبية أو نكتة تراثية، بل كان مدخلاً لإعادة تأطير الخصم داخل صورة ذهنية جاهزة. ففي تحليل الخطاب السياسي، لا يقتصر الصراع على تبادل الحجج، بل يبدأ أولاً بتحديد من يملك حق الكلام ومن يستحق أن يُصدق. ولذلك جاء الرمز ليؤدي وظيفة تتجاوز السخرية، إذ يحاول أن يزرع في ذهن القارئ أن الأزمة لا تكمن فيما يقوله الخصم، بل في الطريقة التي يدرك بها الواقع نفسه. إنها محاولة لنزع المصداقية قبل مناقشة الوقائع، وهي من أكثر الأدوات حضوراً في الاتصال السياسي المعاصر.
غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الخصم الحقيقي في هذا النص ليس إعلامياً بعينه، وإنما نموذج إعلامي كامل. فالتكرار المقصود لمفردات مثل “الابتزاز”، و”الرداءة”، و”الريع”، و”الفرقشة”، لا يبدو موجهاً إلى شخص محدد بقدر ما يرسم صورة لمنظومة إعلامية يرى أوزين أنها تجاوزت وظيفة الرقابة إلى ممارسة دور سياسي مباشر. وبذلك، يحاول تحويل المواجهة من نزاع شخصي إلى معركة بين تصورين لدور الإعلام: إعلام يعتبر نفسه سلطة رقابية، وإعلام يراه أوزين فاعلاً سياسياً يسعى إلى التأثير في موازين القوى خارج قواعد المنافسة الديمقراطية.
وهنا يظهر أحد أهم أبعاد الخطاب، وهو أنه لا يكتفي بإسقاط الخصم، بل يعمل على إنتاج ثنائية واضحة تقسم المشهد إلى معسكرين متقابلين. ففي جهة أولى يضع نفسه داخل فضاء الدفاع عن المؤسسات، ومحاربة الفساد، ومواجهة الريع، والحديث باسم الوطن، بينما تُدفع الجهة المقابلة إلى فضاء الإثارة، والابتزاز، والتشويش، واستغلال الفضائح. وهذه التقنية ليست مجرد بناء لغوي، بل هي إحدى أكثر أدوات الاتصال السياسي فاعلية، لأنها لا تترك للقارئ مساحة واسعة بين الطرفين، وإنما تدفعه نفسياً إلى اختيار أحد المعسكرين.
وتزداد هذه القراءة وضوحاً إذا استحضرنا السياق الانتخابي الذي كُتب فيه النص. فالحملات الانتخابية لا تُدار فقط عبر البرامج، بل أيضاً عبر احتكار تفسير الأحداث. ولذلك يبدو أن أوزين لم يكن يخاطب الإعلامي الذي رد عليه بقدر ما كان يخاطب الناخب المغربي. فكلما تكررت في النص مفردات مثل “المغاربة”، و”الوطن”، و”الفساد”، و”الريع”، و”القضايا الوطنية”، انتقل الخطاب تدريجياً من مساحة الدفاع عن الذات إلى مساحة التعبئة السياسية، وكأن صاحبه يقول للناخب إن ما يجري ليس معركة شخصية، وإنما مواجهة بين مشروعين مختلفين في تصور كل منهما للدولة والمجتمع والإعلام.
ومن هذا المنظور أيضاً، يكتسب استحضار قضية الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة دلالة تتجاوز الحدث نفسه. فالغاية ليست مناقشة تفاصيل تلك الأزمة، وإنما إعادة ترتيب أولويات النقاش العام. فبدلاً من أن يبقى السؤال محصوراً في ما نُشر عن أوزين، يتحول إلى سؤال آخر أكثر اتساعاً: لماذا ينشغل جزء من الإعلام بالسجالات الشخصية بينما تمر قضايا وطنية كبرى دون الاهتمام نفسه؟ وهنا يستخدم الخطاب إحدى أكثر تقنيات الاتصال السياسي تأثيراً، وهي تغيير أجندة النقاش بدلاً من الاكتفاء بالرد عليها.
كما أن إدراج الهوية الأمازيغية داخل الرد لا يأتي بوصفها موضوعاً ثقافياً مستقلاً، بل باعتبارها مورداً رمزياً في الصراع السياسي. فالخطاب يرفض، في ظاهره، توظيف الانتماء الثقافي في تصفية الحسابات، لكنه في الوقت نفسه يعيد توظيف هذا الانتماء باعتباره جزءاً من شرعيته السياسية والاجتماعية. وهنا تتحول الهوية من عنصر ثقافي إلى أداة لإعادة إنتاج القرب من القواعد الانتخابية التي تشكل أحد الامتدادات التاريخية للحركة الشعبية.
لكن، ورغم هذا البناء الخطابي المتماسك، فإن النص يكشف أيضاً عن مفارقة تستحق التوقف عندها. ففي الوقت الذي يسعى فيه إلى الارتقاء بالنقاش من مستوى الأشخاص إلى مستوى القضايا الكبرى، يعود في أكثر من موضع إلى استعمال أوصاف شخصية حادة، بما يجعل الخطاب يتأرجح بين مستويين مختلفين: مستوى يريد أن يقدم نفسه بوصفه مدافعاً عن قيم السياسة والمؤسسات، ومستوى ينزلق أحياناً إلى سجال شخصي قد يحجب الرسالة السياسية الأساسية. وهذه المفارقة ليست تفصيلاً بلاغياً، بل تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الخطاب السياسي في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ اللغة الصادمة أكثر مما تكافئ الحجاج الهادئ.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا الرد لا تكمن في الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونه، وإنما في كونه يعكس تحولاً أوسع في طبيعة الاتصال السياسي بالمغرب. فلم يعد الرهان الأساسي هو الرد على الاتهامات أو نفيها، بل أصبح الصراع يدور حول من يملك حق تعريف الواقع، ومن ينجح في فرض تفسيره للأحداث قبل أن تتشكل قناعة الرأي العام. ولهذا يمكن النظر إلى نص أوزين باعتباره محاولة لإعادة تموضع سياسي بقدر ما هو رد إعلامي، ومحاولة لاستعادة زمام المبادرة عبر إعادة صياغة حدود المعركة نفسها.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول حدة الأسلوب أو نجاعته، لكن من الصعب إنكار أن محمد أوزين لم يكتب بياناً دفاعياً بالمعنى التقليدي، بل صاغ خطاباً أراد له أن يعيد توزيع مواقع الصراع بين السياسة والإعلام، وأن يحول الأنظار من الاتهامات التي وُجهت إليه إلى السؤال الأوسع: من يملك اليوم سلطة تشكيل السردية العامة في المغرب؟ ذلك هو السؤال الذي يجعل هذا الرد يتجاوز كونه سجالاً عابراً، ليدخل في إطار معركة أعمق حول الشرعية والتمثيل والتأثير في المجال العمومي، وهي معركة ستزداد حضوراً كلما اقتربت البلاد من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.