الرياضة المغربية بعد باريس.. هل بدأ العد التنازلي لمعركة محاسبة الجامعات الرياضية؟

0
64

ما يلفت الانتباه منذ الجملة الأولى، “الخطة التي لا تفشل هي الخطة التي لا وجود لها”، أن الخطاب لا يبدأ بالنتائج ولا بالميداليات، بل يبدأ بفكرة فلسفية حول التخطيط. غير أن هذه العبارة لا تُستخدم هنا للدفاع عن حق المؤسسات في الخطأ، بل لتوجيه اتهام مبطن بأن المشكلة في الرياضة المغربية ليست فشل الخطط، وإنما غياب الخطط أصلاً. وهنا ينتقل الخطاب مباشرة من نقد الأداء إلى التشكيك في وجود رؤية استراتيجية، وهو انتقال يرفع مستوى النقاش من المستوى التقني إلى مستوى الحكامة.

بعد ذلك، يربط الفيديو نهاية أولمبياد باريس ببداية مرحلة جديدة، لا باعتبارها نهاية منافسة رياضية، وإنما باعتبارها بداية لحظة مساءلة. فعبارة “انطفأت شعلة أولمبياد باريس وأوقدت معها مطالبات بكشف الحساب” لا تصف حدثاً رياضياً، بل تعلن بداية معركة سياسية وإدارية عنوانها المحاسبة. وكأن الكاتب يقول إن انتهاء الألعاب لا يجب أن يعني طي الصفحة، بل فتحها من جديد.

ثم ينتقل الخطاب إلى إعادة تعريف المسؤول عن الفشل. فالرياضي لا يوضع في مركز الاتهام، بل يصبح ضحية منظومة أوسع. ولذلك يصف رؤساء بعض الجامعات بـ”المعمرين”، وهي كلمة ليست وصفاً للعمر، وإنما توصيف لحالة الاستمرار الطويل في السلطة. وهنا يتحول الزمن نفسه إلى متهم؛ لأن طول البقاء في المناصب يُقدَّم باعتباره سبباً في تراكم الإخفاقات وتحول النجاح إلى استثناء بدل أن يكون قاعدة.

ويستخدم الفيديو سلسلة من الأمثلة المتفرقة، لا بهدف توثيق كل حالة على حدة، وإنما لبناء صورة ذهنية عن أزمة شاملة. جامعات مجمدة النشاط، وأخرى موقوفة دولياً، وشبهات حول الجموع العامة، ورؤساء منشغلون بقضايا بعيدة عن اختصاصهم، ومواهب تُكسر قبل أن تنضج. هذه الأمثلة لا تعمل بشكل منفصل، بل تتراكم لتنتج رسالة واحدة: المشكلة ليست في رياضة بعينها، بل في بنية الإدارة الرياضية نفسها.

ومن أهم الرسائل الضمنية في الخطاب أنه يرفض تحويل الإخفاق إلى حادث عابر أو سوء حظ. فالإشارة إلى اختفاء مليارات الدراهم ليست اتهاماً قانونياً بقدر ما هي سؤال سياسي حول العلاقة بين حجم الإنفاق وضعف المردودية. فالخطاب لا يقدم أرقاماً للمحاسبة، لكنه يزرع سؤالاً يصعب تجاوزه: إذا كانت الموارد موجودة، فأين النتائج؟

ويتعمد الفيديو أيضاً الفصل بين الرياضيين والمنظومة التي تديرهم. ففي نهايته يقرر أن الرياضيين يعتذرون عن ذنب لم يقترفوه، بينما يبقى المسؤولون في مواقعهم. وهنا يعيد توزيع المسؤولية الأخلاقية؛ فبدلاً من تحميل الرياضي عبء الإخفاق، يوجه الأنظار نحو من يصنع البيئة التي يعمل داخلها الرياضي.

لكن الرسالة الأكثر أهمية لا تظهر إلا في الثواني الأخيرة. فحين يقول إن التحضيرات لأولمبياد لوس أنجلوس بدأت منذ الأمس، فهو لا يتحدث عن المستقبل، بل عن الحاضر. أي أن كل يوم يمر دون إصلاح هو جزء من الهزيمة القادمة. وبهذا يتحول الزمن إلى عنصر ضغط، وتصبح كل ساعة إضافية تمر دون مراجعة شاملة امتداداً للإخفاق السابق.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة توقيت هذا الخطاب باعتباره محاولة لنقل النقاش من ردود الفعل العاطفية إلى النقاش المؤسساتي. فالحديث لم يعد عن ميدالية ضائعة أو مباراة خاسرة، بل عن نموذج تدبير كامل. وهذا يعني أن الرهان لم يعد رياضياً فقط، بل أصبح رهاناً على الحكامة، وعلى قدرة الدولة والجامعات على إعادة بناء الثقة قبل الاستحقاقات الأولمبية المقبلة.

ومع ذلك، فإن الخطاب، رغم قوته البلاغية، يعتمد على التعميم أكثر من اعتماده على التوثيق التفصيلي. فهو يجمع حالات متعددة تحت عنوان واحد هو “فشل المنظومة”، دون أن يميز دائماً بين الجامعات التي حققت نتائج وأخرى تعاني اختلالات، أو بين المسؤوليات الفردية والمؤسساتية. وهذه نقطة ينبغي الانتباه إليها عند تحويل الخطاب الإعلامي إلى نقاش عمومي، لأن قوة الرسالة لا تعفي من ضرورة إسنادها بمعطيات دقيقة ووقائع قابلة للتحقق.

في النهاية، لا يريد هذا الفيديو إقناع الجمهور بأن المغرب خسر ميداليات فقط، بل يريد إقناعه بأن الخسارة الحقيقية تكمن في استمرار نموذج تدبير يعتبر أن الأزمة تنتهي بانطفاء الشعلة الأولمبية، بينما يرى أصحاب هذا الخطاب أن تلك اللحظة يجب أن تكون بداية المساءلة، لا نهايتها. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يطرحه الفيديو: هل ستكون لوس أنجلوس 2028 محطة لتصحيح المسار، أم مجرد فصل جديد من قصة قديمة إذا بقيت قواعد التدبير كما هي؟