الاتحاد الاشتراكي يقترب من الحكومة… ولشكر يدخل مرحلة الأسماء والحقائب

0
111

في مشاورات تشكيل الحكومة، هناك فرق بين حزب يقول إنه ما زال يتفاوض، وحزب يبدأ في مناقشة أسماء وزرائه.

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يبدو اليوم أقرب إلى الحالة الثانية، وإن كان الإعلان السياسي النهائي لم يصدر بعد. فبعد لقاء إدريس لشكر بفاطمة الزهراء المنصوري مساء الاثنين، انتقلت قيادة الحزب إلى عقد اجتماع للمكتب السياسي للتداول في الأسماء التي يمكن أن يقترحها الاتحاد لشغل مناصب وزارية في الحكومة المقبلة. وهذه المعطيات نقلتها مصادر إعلامية اليوم الثلاثاء، فيما تظل الصيغة الرسمية للحكومة رهينة باستكمال المشاورات.

قبل أيام فقط، كان الخطاب الاتحادي أكثر تحفظاً. عقب الجولة الأولى من المشاورات، اختار إدريس لشكر أن يضع مضمون اللقاء في خانة «الأمانات»، مؤكداً أن الحديث عن تفاصيل التفاوض سابق لأوانه إلى حين استكمال رئيسة الحكومة المكلفة لقاءاتها مع مختلف الأحزاب. كما فوض المكتب السياسي لشكر ورئيس المجلس الوطني مصطفى عجاب مواصلة المفاوضات.

الآن تغيرت طبيعة الأسئلة.

لم يعد السؤال الوحيد: هل سيدخل الاتحاد الاشتراكي الحكومة؟

السؤال الذي بدأ يفرض نفسه هو: بأي وزن سيدخل؟ وبأي حقائب؟ ومن سيمثله داخلها؟

وهذا التحول مهم لأنه يعني، إذا تأكدت المعطيات المتداولة حول اجتماع المكتب السياسي والأسماء المرشحة، أن التفاوض تجاوز مرحلة جس النبض السياسي إلى مرحلة أكثر عملية. وهي مرحلة لا يكفي فيها إعلان الاستعداد للمشاركة، لأن كل حزب يصبح مطالباً بتحديد ما يريد أن يأخذه إلى الحكومة وما يستطيع أن يقدمه لها.

وتتطابق هذه القراءة جزئياً مع ما رشح عن لقاء لشكر والمنصوري. فقد تحدثت مصادر اتحادية نقلت عنها «الأيام 24» عن تصور الحزب لموقعه داخل الأغلبية، وعن مطالب مرتبطة بالقطاعات الحكومية التي يرغب في تدبيرها، مع ورود اسم وزارة العدل ضمن هذه المطالب. هذه النقطة، تحديداً، تبقى في مستوى المعطيات المنقولة عن مصادر، وليست إعلاناً رسمياً من الاتحاد الاشتراكي عن حقيبة يطالب بها.

في المقابل، هناك معطى سياسي أكبر يصعب تجاهله.

الصيغة التي تتقدم في المشاورات، بحسب عدد من المصادر، تقوم على جمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. وبالحساب البرلماني، تمنح هذه الأحزاب مجتمعة 207 مقاعد من أصل 395، أي تسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.

الأرقام هنا تشرح شيئاً، لكنها لا تحسم السياسة.

فـ207 مقاعد تكفي لتكوين أغلبية برلمانية، لكنها لا تحدد وحدها شكل الحكومة ولا توزيع الحقائب ولا حجم تمثيل كل حزب. ولهذا فإن دخول الاتحاد الاشتراكي في هذه الصيغة، إن تم، لن يكون مجرد إضافة 26 مقعداً إلى الحساب، وإنما سيكون جزءاً من هندسة سياسية جديدة تختلف عن الأغلبية التي قادت الحكومة السابقة.

ومن اللافت أن هذا السيناريو يضع «الكتلة» في قلب الحسابات من جديد، بعدما بدا في مرحلة أولى أن التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة يمكن أن يشكلوا استمراراً أكثر مباشرة للتركيبة السابقة. التحالف الثلاثي كان سيمنح 228 مقعداً، وفق الحسابات المنشورة، بينما صيغة الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تعطي 207 مقاعد.

لكن الاتحاد الاشتراكي نفسه لم يقل إن مشاركته مشروطة بخروج التجمع الوطني للأحرار.

المصدر الاتحادي الذي تحدث إلى «الصحيفة» اليوم قال إن احتمال المشاركة «بنسبة كبيرة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «لا شيء حُسم إلى حدود الآن». كما لم يؤكد وجود شرط اتحادي يقضي بعدم مشاركة الأحرار.

وهذا التفصيل يستحق الاحتفاظ به كما هو، لأن المشاورات الحكومية كثيراً ما تنتج تسريبات سياسية أسرع من الاتفاقات الفعلية.

في المقابل، المؤشرات الميدانية أصبحت أكثر وضوحاً. لقاء المنصوري ولشكر مساء الاثنين جاء في الجولة الثانية من المشاورات، وهي الجولة التي بدأت فيها النقاشات تنتقل من المواقف العامة إلى أسئلة البرنامج وتركيبة الأغلبية والمسؤوليات الحكومية.

وبالتوازي، واصلت المنصوري اتصالاتها مع بقية الأحزاب. لذلك لا يمكن قراءة موقع الاتحاد الاشتراكي منفصلاً عن المفاوضات مع الاستقلال والتقدم والاشتراكية وبقية القوى التي يمكن أن تدخل في الحساب النهائي للأغلبية. كما أن المشاورات مع الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية استمرت اليوم، وهو ما يؤكد أن الباب لم يغلق بعد أمام البدائل.

داخل الاتحاد الاشتراكي، تبدو اللحظة مختلفة أيضاً عن تلك التي أعقبت الانتخابات مباشرة.

فالحزب الذي فوض لشكر مواصلة التفاوض بات أمام مرحلة تتطلب قرارات داخلية: من يمثل الحزب؟ ما هي الأولويات؟ وما حجم التمثيلية المقبولة؟ وهل تكون المشاركة سياسية بالدرجة الأولى أم مرتبطة أيضاً بحقائب محددة؟

وهنا تبدأ صعوبة التفاوض الحقيقي.

فالمقاعد الـ26 التي حصل عليها الاتحاد الاشتراكي تمنحه وزناً برلمانياً واضحاً، لكنها تضعه أيضاً أمام ميزان مقارنة مع أحزاب أكبر منه داخل الأغلبية المرتقبة. لذلك فإن الحديث عن «حقيبة وازنة» أو عن عدد الوزراء لا يمكن حسمه بمجرد الرغبة الحزبية؛ سيخضع لحسابات أوسع تتعلق بحجم الحزب، وبنية الحكومة، وتوزيع القطاعات، والكفاءات التي ستقترحها الأحزاب.

وإذا صح أن المكتب السياسي يناقش اليوم أسماء الاستوزار، فإن هذه الخطوة تكشف أن الاتحاد الاشتراكي يتعامل مع احتمال المشاركة باعتباره احتمالاً عملياً وليس مجرد ورقة تفاوضية بعيدة.

لكن الفرق بين «الاقتراب» و«الحسم» ما زال قائماً.

الحكومة لم تعلن بعد، وتركيبتها النهائية لم تُحسم رسمياً، والمفاوضات مستمرة. وحتى الأسماء والحقائب التي تتداولها المصادر تحتاج إلى المرور عبر المسار السياسي والتنظيمي قبل أن تتحول إلى قرارات معلنة.

لذلك، فإن عبارة القيادي الاتحادي اليوم تبدو أكثر دقة من أي عنوان حاسم: المشاركة مرجحة بقوة، لكن التوقيع السياسي على شكلها النهائي لم يصل بعد إلى نهايته.

وفي هذه المرحلة، ربما يكون أهم ما تغير هو أن الاتحاد الاشتراكي لم يعد يناقش فقط إن كان سيدخل الحكومة، وإنما بدأ، وفق المعطيات المتاحة، يناقش كيف سيدخلها.